Tuesday, 15 October 2019
A+ R A-

مِن أمراضِ القُلوبِ الكِبْرُ

Listen to the Friday Speech in English here: Arrogance: A Disease of the Heart

إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشكُرُهُ ونستغفِرُهُ ونتوبُ إليهِ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنْفُسِنَا ومِنْ سَيّئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ ومَن يُضْلِلْ فلا هادى لهُ. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا شبيه ولا مثل ولا ندَّ له، ولا حد ولا جثةَ ولا أعضاء له. وأشهدُ أنَّ سَيِّدَنَا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقُرَّة أعيُننا محمَّدًا عبدُه ورسولُهُ وصفيُّهُ وحبيبُهُ، مَن بعثه الله رحمة للعالمين هادًيا ومبشرًا ونذيرًا. اللهم صلِّ وسلِّم على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين.

أما بعد عبادَ الله، فإنى أَوَصِّيكم ونفسىَ بتقوى الله العلىِّ العظيم القائل فى محكم كتابه: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡ‍ُٔولٗا ٣٦ وَلَا تَمۡشِ فِى ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا ٣٧ كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهٗا ٣٨﴾ (الإسراء). [قُرِئَ ﴿سَيِّئُهُۥ﴾ عند خمسة و﴿سَيِّئَةً﴾ عند خمسة.]

إخوةَ الإيمان، فى هذه الآيات أنّ الإنسانَ يُحاسَبُ على سمعِهِ وبصَرِهِ وقَلبِه كما يُحاسبُ على سائر جوارحه. وبما أنَّ القلب أميرُ الجوارح، فأعمال الجوارحِ ترجَمَةٌ لما وَقَرَ فى القلب. فإنَّهُ إنْ صَلَحَ القَلْبُ صلَحَتِ الجوارحُ، وإنْ فسَدَ القلبُ فسدَتِ الجوارِح. ولا يصلُحُ القلبُ إلا بالتخَلُّصِ من أمراضِ القلبِ وعلاجِهِ منها.

إخوةَ الإيمان، من أمراض القلوب المنهىِّ عنها فى هذه الآيات التكبُّرُ على عباد الله. فلا تمشِ مِشيَة الكِبرِ فإنك لن تجعلَ فى الأرض خَرقًا بدَوْسِكَ وشدة وطئِك، ولن تبلُغَ الجبالَ بتطاوُلِكَ ولن تحاذيَها قوّةً. والكِبْرُ هو كما قال رسول الله ﷺ: ”الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناسِ.“ اهـ رواه مسلم. معناه الكِبْرُ ردُّ الحقّ واستحقارُ الناس.

فالمتكبر نوعان: نوعٌ يَردُّ الحقَّ على قائلِهِ مع العلم بأنَّ الصوابَ مع القائل لكون القائل أصغرَ منه سِنًّا أو أقلَّ جاهًا. فيستعظمُ أنْ يرجِعَ إلى الحقّ لأجْلِ القائلِ. وما أهلَكَ فِرعَونَ إلا تكَبُّرُه. فإنه مع ما رأى من معجِزات نبى اللهِ موسى عليه السلام لم يؤمِن به حيث قال له وزيرُهُ هامان: إن ءامنتَ بموسى تعودُ تَعْبُدُ بعد أن كنتَ تُعْبَدُ. وما أهلك بنى إسرائيل ممن أُرسل إليهم سيدُنا عيسى بعدما رأَوا معجزاته عليه السلام إلا تكبُّرُهُم فقالوا يذهبُ جاهُنا. وما أهلك أبا لهَبٍ وصناديدَ قريشٍ بعدما رأوا من معجزة القرءان واعترافِهم أنه ليس ممّا عرفوا من الشعر والنثر إلا تكَبُّرُهُم.

وأما النوع الثانى من المتكبرين فهو الذى يرى لنفسه مَزِيّةً على غَيرِهِ مِن الناس فَيُلاحِظُ نَفْسَهُ بِعَيْنِ الكمال والاستحسان مع نسيان مِنَّةِ الله تعالى عليه. ويترفَّعُ على عباد الله فيستحقرُهم لكونهم أقلَّ منه جاهًا أو مالًا أو قُوّةً أو عشيرةً. واستحقارُ الناس ليس مقصورًا على الغنىِّ وذى الجاه بل هو موجود فى غيرهما. فالزوج قد ينظر إلى زوجته بأنها لا تفهم كما يفهم هو فيحتقرها بقلبه ويترَفَّعُ عليها وهو غير متنبِّه لذلك. والوالد قد ينظر إلى ولده بأنه دونَه فى المعرفة والخُبرَةِ والرأى فيحتقره بقلبه وهو لا يدرى. والمدرّسُ ينظر إلى من يدرُسُ عنده بأنه دونه فى العلم والفهم فيحتقره بقلبه وهو لا يدرى. وقس على هذا.

إخوة الإيمان، لقد نهى الله تبارك وتعالى عن التكبُّر على عباده فقال عزَّ مِن قائل إخبارًا عمَّا وعظَ لُقمان به وَلَدَهُ: ﴿وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِى ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٖ ١٨﴾ (لقمان)

والمعنى لا تُعرِضْ عنهم متكَبِّرًا. فأقبِلْ على الناس بِوَجْهِكَ ولا تُوَلِّهمْ شِقَّ وجهِك وصَفْحَتَه كما يفعل المتكبرون. ولا تمشِ مِشْيَةَ الكِبْرِ والخُيلاء والفخر. فالله لا يحب كل مختال فخور.

يا أيها المتكَبّر، تفخَرُ بمالِك..فقارون كانت مفاتِيحُ خزائنِه لتنوءُ بالعُصْبَةِ أولِى القوة فخُسِفَ به وبكنوزه الأرض! تفخر بجاهِك..ففرعَوْنُ هلك فى الماء ولم ينفَعْه ملكُه ولا رجالُه! تفخَرُ بقوَّتِك.. فألمُ سِنِّك يُضجِعُك! تفخَرُ بعِلمِك فليس مِن كيسك وإنما مِن جمعِ مَن قبلَك! لأىِّ شىءٍ تتعاظَمُ فى نفسك وتتكبَّر؟ فإن أوَّلَكَ نُطْفَةٌ وءاخِرَكَ جيفَةٌ! لأىِّ شىء تُعجِبُكَ نفسُكَ وقد خَرَجْتَ من حيثُ تعلَمُ مَرَّتَين؟ والموتُ ءاتٍ عليك فيقصِمُك.

إخوة الإيمان، إنَّ الذى يُراقب قلبَهُ يعلمُ أن الله تعالى إن مَيَّزَهُ عن غيره بزيادةِ عقلٍ أو علم أو فهم أو مالٍ فهو مَحْضُ تفَضُّلٍ مِن الله تعالى لا عن استحقاقٍ لذات هذا الإنسان. فليست زيادةُ عقله منه ولا ذكاؤهُ منه ولا عِلمُهُ منه ولا فَهْمُهُ منه. فَلْيَشْكُرْ ربَّه وليرحمْ من هو أقلُّ منه. ولْيَتَواضَعْ فإنَّ التواضُعَ مِن أفضلِ العبادةِ. وقد ورد عن سيدنا محمد ﷺ: ”إنكم لتَغْفُلُونَ عنْ أفضلِ العِبادةِ: التواضُع.“ اهـ رواه الحافظ ابن حجر فى الأمالِى. وإنما قال ذلك لكثرةِ مَن يقع فى الكِبْر. ولو عمِل الناس بالتواضع لذهب عنهم كثيرٌ من الشحناء والعداوة، ولارتفعَ الحسد والشحُّ. ولاستراحوا مِن تَعَبِ التَّنافُسِ والمُباهاةِ والتَّفاخُرِ، ولَالْتَذُّوا بما قسمَ الله لهم.

فاتقوا اللهَ عباد الله. ولينظرِ الواحد منا ما قَدَّمَ لغدٍ، ما قدَّم ليومٍ لا ينفعُ فيه مالٌ ولا بَنونَ إلا من أتى اللهَ بقلبٍ سليم.

أقول قولىَ هذا وأستغفر الله لى ولكم.

الحمد لله* والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله* وعلى ءاله وصحبه ومن والاه*

أما بعدُ عباد الله، فإنى أُوَصِّيكم بتقوى الله العظيم.

روى مسلم فى الصحيح أن رسولَ الله ﷺ قال: "مَن تواضَعَ لله رَفَعَه". فكان خُلُقُ الأنبياء التواضعَ لله تعالى بالتواضع مع المؤمنين. والأنبِياءُ كانوا أشدَّ النَّاسِ تواضُعًا مع ما لهم من الجاهِ عِندَ اللهِ. ومِن أمثِلَةِ ذلكَ أنَّ الرَّسولَ ﷺ كانَ لمَّا يُصْبِح الصَّبَاحُ ويكونُ دَوْرُهُ فى المبيتِ عندَ واحِدَةٍ من نِسَائِهِ يَقِفُ عِندَ بابِ هذهِ غيرِ التى دَوْرُها فى تلك الليلةِ ويقولُ السَّلامُ عليكُم ورَحمَةُ اللهِ وبركَاتُه، ثم يقفُ عند الأخرى، ويقولُ مثلَ ذلكَ حتَّى يَعُمَّ الجميعَ. وهَذا من شِدَّةِ التَّواضُعِ وَحُسْنِ العِشْرَةِ.

والأنبِياءُ من أوَّلِ نَشْأتِهِمْ تَمَرَّنوا على التَّواضُعِ والصَّبْرِ على التَّعَبِ فى خِدمَةِ الخَلْقِ. لذلِكَ كلُّ نبىٍّ منَ الأنبِياءِ سَبقَ لهُ رِعْيَةُ الغَنَمِ؛ والغَنَمُ كثيرةُ التَّفَلُّتِ. فيَتْعَبُ الرَّجُلُ فى ردِّها، هذهِ تذهَبُ الى هذه النَّاحيَةِ وهذهِ تذهبُ إلى هذهِ النَّاحيةِ وهكذا. فرِعْيَةُ الغَنَمِ تُمَرِّنُ صاحِبَها على الصَّبْرِ والتَّعَبِ.

ولولا شدَّةُ تَواضُعِهِ ﷺ وشدَّةُ صَبْرِهِ ما انتَشَرَ دينُهُ فى جزيرةِ العربِ كُلِّها فى ظرفِ خَمْسٍ وعِشرينَ سنةً. قامَ وحْدَهُ ولم يكُن فى مَكَّةَ وما يليها من الجزيرةِ العرَبيَّةِ بينَ البَشَرِ مُسلِمٌ غَيرُهُ. ثم بِما أنَّهُ جُبِلَ على الصَّبْرِ والتَّوَاضُعِ دعوتُهُ أثَّرَتْ وانْتَشَرتْ حتَّى عَمَّتْ كُلَّ الجَزيرةِ العربيَّةِ فى حياتِهِ.

وكان الإمامُ الشافعىُّ رضىَ الله عنه يقول: إنى أجادل المرء لا أحب أن أكسرَه. إنما أحب أن يظهر الحقُّ ولو فى جانبه. فعلى المؤمن أن يتوخَّى إذا حاول أن يجادل أن يكون كلُّ همِّه إحقاقَ الحق وإبطالَ الباطل، ويغلب نفسه من أن يتغير قصدُه إلى حب الترفُّع على الناس ونصرةِ رأيه بحق أو باطل. جعلنا الله وإياكم من المتواضعين الناشرين للحق.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات.

الجمعة مسجد عمر ٢١ محرم ١٤٤١ هـ - ٢٠ أيلول ٢٠١٩ر


Loading...

Share this post

Submit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

Site Disclaimers

Listen to the Qur'an

Click

كيف يدخل غير المسلم في الإسلام

يَدخل غيرُ المسلم في الإسلام بالإيمان بمعنى الشهادتين وقولِهِما سامعًا نفسَه بأيّ لغةٍ يُحسنها.

وإن أراد قولَهما بالعربية فهما:

أَشْهَدُ أَنْ لا إلَـهَ إلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله

وَهَذا هو التسجيل الصوتي للشهادتين اضغط