Tuesday, 15 October 2019
A+ R A-

الآيات المحكمات والمتشابهات

Listen to the Friday Speech in English here: Single-Meaning & Multi-Meaning Verses

الحمد لله الذي أنزل القرءان هدىً ورحمة، فيه ءايات متشابهاتٌ وأُخَرُ مُحكَمَات، فأنارَ به بصائرَ قومٍ وجعلَ قلوبَ قومٍ مُقْفَلة. فمن هداه الله فبفضلِه وفَّقَه، ومن أضلَّه اللهُ فبعدْلِه خَذَلَه. سبحانه تَنَزَّهَ عن الظلم وما شاء فَعَلَ. وأصلي وأسلِّمُ على سيدنا محمدٍ إمامِ البَرَرَة، وعلى ءاله الطيبين ومَن على الإيمانِ صَحِبَه. وأشهد أن لا إله إلا الله المعبودُ بحقٍّ وَحدَه، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبدهُ ورسولُه صلوات ربي عليه وعلى كل رسولٍ أرسَلَه.

أما بعد عباد الله فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم القائل في محكم كتابه: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٧﴾ ءال عمران.

إخوة الإيمان بيَّن ربُّنا تبارك وتعالى أنَّ القرءانَ فيه ءاياتٌ مُحْكَمَاتٌ وفيه ءاياتٌ مُتَشَابِهَاتٌ .

فأما المحكمات فهي التي دلالتها على المراد واضحةٌ فلا تحتمل من التأويل بحسب وضع اللغة إلا وجهًا واحدًا أى معنًى واحدًا، كقوله تعالى: ﴿وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ ٤﴾ الإخلاص، وقولِه تعالى: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ﴾ الشورى. وقد سمَّى اللهُ تعالى الآياتِ المحكماتِ بأُمِّ الكتاب أي أم القرءان، لأنها الأصلُ والأساسُ الذي تُرَدُّ إليه الآياتُ المتشابهات. وأغلبُ ءايات القرءان محكمةٌ.

وأما الآيات المتشابهاتُ فهي التي لم تتضح دلالتُها أى أن دلالتَها على المراد غيرُ واضحة. وتحتمل بحسب وضع اللغة العربية أوجهًا عديدة أى أكثر من معنًى ويُحتاج لمعرفة المعنى المراد منها إلى نظر أهل النظر والفهم الذين لهم درايةٌ بالنصوص الشرعية ومعانيها ولهم درايةٌ بلغة العرب. فلا تخفَى عليهم المعاني، اذ ليس لكل إنسان يقرأ القرءان أن يُفَسِّرَه. ومثال ذلك قولُه تعالى: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ ٥﴾ طه. فإن كلمةَ استوى فى لغة العرب تحتمل خمسة عشر معنًى. فاحتيج إلى نظر العلماء لمعرفة المعنى المراد منها فى هذه الآية.

ولأهل السنة في تأويل المتشابه مسلكان كلٌّ منهما صحيحٌ: مسلكُ أكثرِ السَّلَفِ، وهم أهل القرون الثلاثة الأولى. فإنهم يُؤَوِّلون المتشابهاتِ تأويلًا إجماليًّا بِرَدِّها إلى الآيات المحكمات، وذلك بالإيمانِ بها واعتقادِ أن لها معنًى يليق بجلال الله وعظَمَته بلا تعيين معنًى. ولا يفسرونها على الظاهر المتبادَر منها. فإذا سمعوا قولَه تعالى: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ ٥﴾ رَدُّوه إلى الآية المحكمة ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ﴾. وعلِموا أنَّ المعنَى الظاهرَ أى المتبادَرَ إلى الذهن وهو الاستقرار أو الجلوس ليس مرادًا ولا هو معنى الآية لكونه من صفات المخلوقات. فهو مخالف للآية المحكمة: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ﴾. فأوَّلُوها تأويلًا إجماليًّا فقالوا: استوَى استواءً يليق به، ليس جلوسًا ولا استقرارًا ولا يُشبِه أيَّةَ صفةٍ من صفات المخلوقين. وذلك كما قال الإمام الشافعي رَضِىَ اللهُ عَنْه: "ءامنتُ بما جاء عن الله على مُراد الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله." يعني رضي الله عنه لا على ما قد تذهب إليه الأوهام والظنونُ من المعاني الحسيَّة الجسميَّة التي لا تجوز في حق الله.

والمسلك الثاني مسلكُ الخَلَفِ، فهم يُؤَوِّلونَها تفصيلًا بتعيين معانٍ لها مما تقضيه لغة العرب، ولا يحملونها على ظواهرها أيضًا موافقين للسلف فى ذلك.

فالسلف والخلف متفقان على عدم الحمل على الظاهر. ففى ءاية: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ ٥﴾ قال أكثر السلف استوى بلا كيفٍ استواءً يليق بجلال الله وعظَمته، لا على المعنى الذى يكون من صفات المخلوقات أى لا على معنى الجلوس والاستقرار أو علوِّ المكان. وأما أهل المسلك الثانى فقالوا استوَى أى قَهَرَ وَحَفِظَ وأبقَى، لكون قَهَرَ من معانى استوى فى لغة العرب، ولكَوْنِ هذا المعنى موافقًا للآية المحكمة: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ﴾، ولقوله تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ١٨﴾ الأنعام.

ويقول بعضُ أهل الزَّيْغِ إنَّ التأويلَ ممنوعٌ، وإن السلفَ ما استعملوه. وهذا كلام مردودٌ وباطل. كيف وقد جاء في الصحيح عن سيد الكونين ﷺ أنه قدَّم له ابنُ عباسٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهما وَضوءه أى ماءَ الوضوء، فقال ﷺ: من فعل هذا؟ فقال قلت: أنا يا رسولَ الله. فقال: ”اللهمّ فَقِّهْهُ في الدِّين وعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ.“ اﻫ ولو كان التأويلُ محظورًا لكان هذا دعاءً على ابن عباسٍ لا له.

بل إنَّ منْعَ التأويلِ يُؤَدِّي إلى ضَرْبِ القرءان بعضِه ببعض. فلو أَخَذَ ءَاخِذٌ بظاهر الآية: ﴿وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ ...٤﴾ الحديد، فاعتقد أن الله مع كل واحد بذاته، أو اعتقد أن الله تعالى مُتَحَيِّزٌ في كل مكان، وكذلك أخذ بظاهر الآية: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ ٥﴾ فاعتقد أن الله جالس على العرش، لأدَّى هذا إلى تناقضٍ لأن معناه على الظاهر أن اللهَ في جهة فوق على العرش وأنه مع كل واحد بذاته فى كل الجهات ومنها جهة تحت فى الأرض. فيقع التناقض. وحاشا أن يكون في القرءان تناقض. فقد قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا ٨٢﴾ النساء.

أما لو رَدَّ هذا الآخِذُ هاتين الآيتين إلى الآية: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ﴾ فأوَّلَ الاستواءَ بالقهر وأوَّلَ قولَه تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ﴾ بالعلم أى أنه محيطٌ بكم عِلْمًا لكان في ذلك سلامةٌ ونجاةٌ لكونه موافقًا للآية المحكمة: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ﴾.

وماذا يقول من يمنع التأويلَ فى قوله تعالى إخبارًا عن سيدنا إبراهيم عليه السلام: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٩٩﴾ الصَّافَّات. وكان إبراهيم عليه السلام ذاهبًا إلى فلسطين. هل يقول بزعمه إن اللهَ يسكن فلسطين، أم سيؤَوِّلُ هذه الآيةَ ليوافق الآيةَ المحكمة: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ﴾ وغيرَها من الآيات المحكمات؟ ومرادُ سيدنا إبراهيم إخوة الإيمان بقوله إنى ذاهب إلى ربى أى إلى حيث أمرنى ربى. هذا وأستغفر الله لى ولكم.

الحمد لله* والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله* وعلى ءاله وصحبه ومن والاه*

أما بعدُ عباد الله فإنى أوصيكم بتقوى الله العظيم.

قال السيدُ أحمدُ الرِّفاعىُّ الكبيرُ رضِىَ الله عنه: ”صُونُوا عَقَائِدَكُم من التَّمَسُّكِ بظاهِرِ ما تَشَابَه من القرءان والسُّنَّة. فإنَّ ذلك مِن أُصُولِ الكُفْرِ.“ فإن سمعتَ أو قرأتَ ءايةً فى القرءان ظاهرُها مخالفٌ للآيات المحكمات، فلا تَتَسَرَّعَنَّ إن لم تكن سمعتَ تفسيرَها ممن هو أهلٌ لذلك. وقل لها معنًى يليق بالله، ورُدَّها إلى الآيات المحكمات. ولا تأخذْ بظاهرها الذى قد يتبادَر معناه إلى ذهنك مما يوهِم تشبيهَ الله بخلقه. فاعمَلْ أخى المؤمن بمُحْكَمِ القرءانِ وءامِنْ بمُتَشابِهِهِ تكن من الناجين الفائزين.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات.

الجمعة مسجد عمر ١٦ ذو القعدة ١٤٤٠ هـ - ١٩ تموز ٢٠١٩ر


Loading...

Share this post

Submit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

Site Disclaimers

Listen to the Qur'an

Click

كيف يدخل غير المسلم في الإسلام

يَدخل غيرُ المسلم في الإسلام بالإيمان بمعنى الشهادتين وقولِهِما سامعًا نفسَه بأيّ لغةٍ يُحسنها.

وإن أراد قولَهما بالعربية فهما:

أَشْهَدُ أَنْ لا إلَـهَ إلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله

وَهَذا هو التسجيل الصوتي للشهادتين اضغط