Friday, 18 October 2019
A+ R A-

فى أحكام النكاح (١): عقد النكاح الشرعىّ

الله أكبر (٩ مرات)* الحمدُ لله خالقِ الأنثى والذَّكَر* والصلاةُ والسلام على سيدنا محمد المبعوثِ إلى الجنّ والبشر* وعلى ءاله وصحبه وتابعِى الأثر* وبعدُ عبادَ الله اتقوا الله. فقد قال الله تعالى: ﴿ واتقُوا يومًا تُرجَعون فيه إلى الله ثم تُوفَّى كلُّ نفس ما كَسَبت وهم لا يُظلمون ﴾ [البقرة ٢٨١]

هذه الآية هى ءاخر ما أُنزل من القرءان. وفيها الأمر بالتقوى وهى أداء الواجبات واجتناب المحرمات. والواجبات هى الأمور التى يستحق تاركُها العذابَ فى الآخرة. والمحرمات هى ما يستحق فاعلُها العذابَ فى الآخرة.

ثم الواجباتُ ليست كلها بمرتبة واحدة. منها ما هو أعلى من غيره. فأعلى الواجبات وأفضلها الإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ، ثم الصلوات الخمس، ثم بعد ذلك أمور عديدة.

ومن جملة الواجبات التى فرض الله تبارك وتعالى على العباد أن يعرف المسلم المكلفُ المحتاجُ للزواج أمورَ النكاح قبل الدخول فى ذلك. يجب أن يتعلم كيف يصح الزواج وما هو الطلاق وما شابه ذلك. لأن من لم يتعلم ذلك فهو من الهالكين أىِ الخاسرين لأنه قد يغرق فى الحرام وهو لا يدرى.

ثم إنَّ رسول الله ﷺ وصَّى بالنساء فقال: "اتقوا اللهَ فى النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة اللهِ واستحللتم فروجَهن بكلمة اللهِ" رواه مسلم. ومعنى كلمة الله صيغةُ العقد.وهو كلام يقوله الولىُّ للخاطب ثم يجيبه الخاطب بكلمة أخرى. يقول الولىُّ له: زوَّجْتُكَ بنتِى فلانة مثلًا. ويقول هو: قبلتُ زِواجَها. ويشترط أن تكون الصيغة بلفظ: زوَّجْتُكَ وأنكحْتُكَ. أما بغيرهما فلا يصحّ. وبغير العربية يكون بترجمة هذين اللفظين.[1] وينعقد عقد النكاح ولو كان مازحًا إن توفرت شروطه لأن النبىَّ ﷺ قال: "ثلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النكاحُ والطلاقُ والرَّجعَة." رواه أبو داود فى السنن وصحَّحه بهذا اللفظ.

قال رسول الله ﷺ: "لا نكاحَ إلا بولىّ وشاهِدَىْ عدلٍ" رواه ابن حبان.[2] ووَلِىُّ النكاح للمرأة المسلمة هو أبوها المسلم العدل. فلا يكون الكافر وليًّا للمسلمة فى نكاحها. والعَدل هو المسلم الذى اجتنب الكبائر، ولم يُصِرَّ على الصغائر أى لم يُكثر من فعل الصغائر بحيث يزيد عددها على عدد طاعاته، وتخلَّق بأخلاق أمثاله من أهل الفضل. فإن لم يكن (أى كان متوفىًّ أو غيرَ مسلم) فوليُّها جدُّها أبو أبيها. ثم بعده أخوها ثم ابنُ أخيها ثم عمُّها ثم ابنُه على هذا الترتيب. فإن عَضَل أولياءُ النكاح البنتَ، أى لم يرضَوا أن يزوجوها لتعذيبها ولإيلامها من غير سبب شرعىّ، تذهبُ هى والخاطب إلى القاضى المسلم، فيكون القاضى هو وليّها ويزوّجها لما روى الترمذىّ وأبو داود عن عائشة قولَه ﷺ: "فالسلطان ولىُّ من لا ولىَّ له". فإن كان القاضى لا يرضى أن يُجرىَ العقد إلا بمال يُدفع له، أو لم يكن قاض يُحَكّـِمان رجلا مسلما ديّـِنًا تقيًّا. يقولان لهذا المسلم الديّن الذى يفهم أحكامَ النكاح: حَكَّمناكَ فى زِواجِنا، أى جعلناكَ مثلَ القاضى علينا فى هذه المسئلة. عند ذلك هو يُجرى العقدَ لهما. يقول هو للخاطب: زوَّجتُكَ محكّـِمتى فلانة فيقول قبلت زِواجَها. وإذا كان للمرأة عدَّةُ إخوة وكانوا هم الأولياء، كلهم يقولون للخاطب: زوَّجناكَ أختَنا أو يوكلون واحدًا من بينهم ليجرىَ العقدَ لها عليه.

ويجوز أن يوكّـِل الولىُّ من يقوم مقامَه. فيقول أبو البنت لرجل مثلا: وكلتُك أن تُجرىَ عقدَ ابنتى فلانة على فلان. وكذلك الزوج يجوز أن يوكّل من يُجرى عنه العقد. فإذا وكَّل الزوجُ إنسانا عنه لا يقول له ولىُّ البنت [أى للموكَّل]: زوّجتُكَ بنتى فلانة بحضور الشاهدين وإلا انعقد العقدُ له هو ليس لموكّـِله! بل يقول: زوَّجتُ بنتى فلانةَ لموكّـِلِكَ فلانٍ. لذلك ينبغى الانتباه لهذا الأمر.

ويشترط عدم التأقيت فلا يصح مثلا: زوّجتك بنتى لشهر. ويصح لو نوى طلاقها بعد مدة دون ذكر ذلك فى العقد. وقد ذمّ رسول الله ﷺ فيما رواه الطبرانىّ الرجالَ والنساءَ الذين يتزوجون لأجل قضاء الشهوة فقط ثم يطلقون ثم يتزوجون وهكذا: ”إنَّ اللهَ لا يحب الذَّوَّاقينَ والذَّوَّاقات.“ فهو قبيح من غير إثم.

ولا بد عند الإمام الشافعىّ أن يكون العقدُ بحضور شاهدَين مسلمَين ذَكَرَين عَدْلَين. ويُشترَط فى الشاهدين أيضًا أن يكونا سميعَين بصيرَين، وأن يكونا متيقظَين غيرَ نائمين عند العقد، وأن يكونا عارفَين بلغة المتعاقدَين. والشاهدان لا بد أن يكونا عارفَين للبنت، إما برؤيتها وإما بمعرفة اسمِها ونسبِها أنها فلانةُ بنتُ فلان. فإن كانا لا يعرفانها بالرؤية ولا بالنسب لا يصح العقد.

واعلموا أنَّ من شروط النكاح أيضًا أن لايكون أىٌّ من الرجل أو المرأة مُحرِمًا بحجّ أو عُمرةٍ. فلا يثبت عقدُ النكاح فى حال الإحرام بالحج والعمرة، بل هو باطل.

ويشترط لصحة عقد النكاح أن لا تكون المرأة فى عدةِ غيره. فلا يصح عقد النكاح على معتدةِ وفاةٍ أو معتدةِ طلاقٍ أو فسخٍ إلا بعد انتهاء العدة.

ويشترط فى المرأة أن تكون مسلمةً أو نصرانيةً أو يهوديةً. فلا يصح زِواج المسلم من مرتدة أو بوذية أو نحو ذلك. إنما يجوز له أن يتزوجَ المسلمةَ واليهوديةَ والنصرانيةَ. لكنَّ الزواجَ من اليهودية أو النصرانية مكروهٌ وإن لم يكن حراما. وأما المسلمة فلا يجوز لها أن تتزوج إلا مسلمًا. قال عزَّ وجَلَّ: ﴿ لا هُنَّ حِلٌّ لهُم ولا هُم يَحِلُّونَ لهُنَّ ﴾ (الممتحنة ١٠). فلا يصح زواجُ المسلمة من نصرانىّ ولا يهودىّ ولا مجوسىّ ولا بوذىّ ولا غيرِ ذلك من الكفار.

وسنذكر إن شاء الله مزيدًا من أحكام النكاح فى خطبتنا القادمة. أقول قولِىَ هذا وأستغفر اللهَ لى ولكم.

الله أكبر (٧ مرات)* اللهُ أكبرُ كبيرًا* والحمد لله كثيرا* وسبحان الله وبحمده بُكرةً وأصيلا* والصلاة والسلام على سيدنا محمد وءاله وصحبه وحِزبِه* أما بعدُ عبادَ الله اتقوا اللهَ.

ثم إن هذا اليومَ هو يومُ عيد الفطرِ. فهو يوم فرحة بأداء صيام رمضان، ثم بالفطر طاعةً لله واتّباعا لنبيه محمد ﷺ. فداوِموا على طاعة ربكم بأداء الواجبات واجتناب المحرمات. ويسن صيامُ ستّ من شوال والأفضل متتابِعة.

ولا تنسَوْا زكاةَ الفطر عنكم وعن كل مسلم تجب نفقته عليكم من زوجة وأولاد غير بالغين ووالدِين فقراء. وهى عند الشافعىّ صاعٌ (أربعة أمداد) من غالب قوت البلد إذا فَضَلَت عن دَيْنِكم -ولو كان مؤجَّلًا- وكسوتِكم ومسكنِكم وقُوتِكم، وكذا عن عيالِكم يومَ العيد وليلتَه التى تليه. وعند أبى حنيفة نصفُ صاع (ثلاثةُ أمداد) من بُرّ أو صاعٌ (ستةُ أمداد) من تمرٍ أو شعير أو زبيب. ويجوز دفعُ القيمة (نحو ستة دولارات). ويجوز إخراجُها فى رمضان. والسُّنة إخراجُها يومَ العيد قبلَ الصلاة. ويحرُم تأخيرُها عن يوم العيد بلا عذر.

فى هذا اليوم السعيد انسُوا خُصوماتِكم، وأتمِروا بالمعروف، وتناهَوا عن المنكر، ووسّـِعوا على أزواجكم وذَرارِيّـِكم. ولا تنسَوُا المحتاجين من أبناء المسلمين. ولا تنسَوُا البلاءَ النازلَ بأبناء أمتكم المسلمين فى فِلَسْطِينَ وسورية وأفغانستان وغيرِها من بلاد الأرض. واحمَدوا اللهَ على ما هداكم وأولاكم.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات* تقبَّلَ اللهُ طاعاتكم* وكلَّ عيد وأنتم بخير*

خطبة عيد الفطر فيلادلفيا ١ شوال ١٤٣٥ هـ * الاثنين ٢٨ تموز ٢٠١٤ ر



[1] ليس هناك إجماع على لفظ زوَّجْتُك أو أنكحتُك. الشافعىُّ يشترطهما بالعربية وترجمتهما بغير العربية. أما فى مذهب أبى حنيفة يصح بهذين وبألفاظ أخرى، مثل وهبتُك ابنتى زوجةً لك.

[2] روى الشافعىّ فى مسنده حديث: "لا نكاحَ إلا بولىٍّ مرشِدٍ وشاهدَىْ عدلٍ". وقال أحمد: إنه أصحُّ شىء فى الباب.

Share this post

Submit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

Site Disclaimers

Listen to the Qur'an

Click

كيف يدخل غير المسلم في الإسلام

يَدخل غيرُ المسلم في الإسلام بالإيمان بمعنى الشهادتين وقولِهِما سامعًا نفسَه بأيّ لغةٍ يُحسنها.

وإن أراد قولَهما بالعربية فهما:

أَشْهَدُ أَنْ لا إلَـهَ إلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله

وَهَذا هو التسجيل الصوتي للشهادتين اضغط