Monday, 18 November 2019
A+ R A-

الإِجْمَاعُ والبِدْعَةُ الحَسَنَةُ والاحْتِفَالُ بِالمَوْلِدِ

Listen to the Friday Speech in English here: Good Innovation of Celebrating The Mawlid

إنَّ الحمدَ لله نَحْمَدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشكرُهُ ونستغفرُهُ ونتوبُ إليه. ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا. مَنْ يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ له. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا وحبيبَنا محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ. صلواتُ الله وسلامُهُ عليهِ وعلى كلِّ رسولٍ أَرسَلَهُ.

أما بعد عباد الله فإني أُوَصِّيكم ونفسيَ بتقوى الله العلِيِّ القدير القائل في محكم كتابه: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ١١٥﴾ (النساء)

إخوة الإيمان، دلت هذه الآية على أن من أراد النجاة في القيامة عليه أن يلتزم سبيل المؤمنين أي ما أجمع عليه علماء المسلمين، وأن من أعرض عن ذلك فجزاؤه جهنمُ وبئس المصير. وجاء عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "ما رءاه المسلمون حسنًا -أى أجمعوا على أنه حسن- فهو عند الله حسن، ومارءاه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح." قال الحافظ ابن حجر: هذا موقوف حسن.

ومِنْ جُمْلَةِ ما استحسنته الأمة وأجمعت على مشروعيته الاحتفالُ بذكرى ولادَتِهِ ﷺ. فَإِنَّهُ منَ الطاعاتِ العظيمةِ التي يُثابُ عليها فاعِلُها لِما فيهِ مِنْ إِظْهار الفرَحِ والاسْتِبْشارِ بِمَوْلِدِهِ الشريفِ. وَهُوَ وإن لم يكن في زمنه ﷺ، فهو مِنَ البِدَعِ الحسنَةِ التي اتفق علماء الأمة على جوازها.

وأول من أحدثه التقي العالم المجاهد المظفّر ملك إربل في أوائل القرن السابع من الهجرة. وجمع لهذا كثيرًا من علماء عصره فاستحسنوا فعله ومدحوه ولم ينكروه. وهكذا العلماء بعدهم لم ينكر فعلَ المولد أحدٌ منهم. حتى ظهر في القرن الماضي جماعة من المجسمة نفاةِ التوسل. فأنكروا فعل المولد إنكارًا شديدًا أي أنكروا ما استحسنته الأمة جمعاء لعصور متتالية. وزعموا بجهلهم وجرأتهم على الدين أنه بدعة ضلالة. وأرادوا أن يموِّهوا على الناس فاستدلوا بحديثٍ صحيح: ”كل محدثة بدعة“. ووضعوه في غير موضعه. ومعناه الصحيح أن ما استُحدث بعد النبي ﷺ فهو بدعةٌ غير حسنة إلا ما وافق الشرع فإنه لايكون مذمومًا. فكلمة ”كلُّ“ يراد بها هنا الأغلبُ لا الجميعُ بلا استثناء! كما فى قوله تعالى فى الريح: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيۡءِۢ بِأَمۡرِ رَبِّهَا ….٢٥﴾ (الأحقاف)؛ ولم تدمر الأرض ولا الجبال.

وقد صح في صحيح مسلم وغيره أن رسول الله ﷺ قال: ”مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُها وأَجرُ مَنْ عَمِلَ بِها بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَن يَنْقُصَ مِنْ أُجورِهِمْ شَىءٌ.“ ولذلك قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: "البدعة بدعتان: محمودة ومذمومة. فما وافق السنة فهو محمود، وما خالفها فهو مذموم." رواه عنه الحافظ أبو نعيم وغيره.

وثم كيف يا أهل الفهم يجرؤ هؤلاء المحرومون أن يقولوا عن اجْتِماعِ المسلمينَ على قراءةِ القُرءانِ، وذِكْرِ الرَّحمنِ، ومَدْحِ محمَّدٍ سيِّدِ الأكوانِ مّما شَرَعَه الله والرسولُ وتَلَقَّتْهُ الأمَّةُ بالقَبولِ: إنه بدعَةُ ضَلالٍ؟ ألم يسمعوا قولَه تعالى: ﴿فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ...٢٠﴾ (سورة المزمل)، وقولَه عزّ وجلّ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا ٤١﴾ (الأحزاب). ألم يَرِدْ مدحُ النبيّ ﷺ في القرءان الكريم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ ٤﴾ (القلم)؟ و﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٧﴾ (الأنبياء)؟ ثم ألم يَجِئ في السُنَّةِ المُطهَّرةِ الثابتة أيضًا ما يدل على مَدْحِهِ ﷺ جَماعةً وفُرادَى بدُفّ ومِنْ غَيرِ دُفّ في المسْجِدِ وخارِجِهِ؟ وأنَّ أشخاصًا مِنَ الحَبَشَةِ كانوا يَرْقصُونَ في مسجِدِ رسولِ الله ﷺويَمْدحونَهُ بِلُغَتِهم. فقالَ رسولُ الله ﷺ: ”ماذا يَقولونَ؟“ فَقيلَ لهُ: إِنَّهُمْ يقولون: "محمَّدٌ عَبْدٌ صالِحٌ". (رواه أحمد وابن حبان). فَلَمْ يُنْكِرْ ﷺ عَلَيهم ذلكَ؟ أليس العبَّاس بنُ عبدِ المُطَّلِبِ رضي الله عنه عمُّ النبي ﷺ قال له: "يارسولَ الله إنّي أمتَدَحتُكَ بِأبياتٍ". فقالَ رسولُ الله: ”قُلْهَا لا يَفْضُضِ الله فَاك“؟ (أى لا يُسْقِطِ اللّهُ أَسنانَكَ. والفم يقوم مقامَ الأَسنان) فأنشَدَ قصيدة أَوَّلها:

مِنْ قَبْلِها طِبْتَ في الظِّلالِ وَفِي مُسْتَوْدَعٍ حينَ يُخْصَفُ الوَرَقُ

وفي ءاخِرِها:

وأَنْتَ لَمَّا وُلِدْتَ أَشْرَقَتِ الْـ أَرْضُ وضَاءَتْ بِنورِكَ الأُفُقُ

فَمَا مَنَعَهُ رَسولُ الله ولا نَهَاهُ ولا قالَ لَهُ حَرامٌ أنْ تَمْدَحَني، بَلِ اسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْهُ ودَعا لَهُ بِأَنْ تَبْقَى أَسنانُهُ سَليمة؟ وبِبَركَةِ دعاء النبيّ الأعظَمِ ﷺ، حَفِظَ الله للعباس أسنانَهُ ولَمْ يَسْقُطْ لَهُ ضِرْسٌ إلى وفاته في خِلافة عُثمانَ بنْ عَفَّانَ رضي الله عنهما وهُوَ ابنُ ثَمانٍ وثمانينَ سنةً.

واسمَعوا جيدا أيها الإخوة ماذا قال الحافظ السيوطي في رسالته "حسن المقصد في عمل المولد" عندما سُئل عن عمل المولد الشريف: "أصلُ عملِ المولدِ الذي هو اجتماعُ الناس، وقراءةُ ما تيسَّر من القرءان، وروايةُ الأخبار الواردة في مبدإ أمر النبيّ وما وقع في مولده من الآيات، ثمَّ يُمَدُّ لهم سِماطٌ يأكلونه، وينصرفون من غير زيادة على ذلك، هو من البدع الحسنة التي يُثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبيّ وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف ﷺ."

فلا يُهَوّلَنَّكُمْ -عِبادَ الله رَحِمَكُمُ الله- كلام نفاة التوسل المحرومين من محبة نبينا رسول ربنا عليه أفضل الصلاة والتسليم، الذين يزعمون أن أجدادي وأجدادَكم وأسلافي وأسلافَكم وأسلافَ المسلمين كلَّهم في كل أرجاء المعمورة كانوا على ضلالٍ في احتفالهم بالمولد الشريف حتى جاءوا هم فعرفوا الحق. هؤلاء جاهلون بالخالق تعالى، محرومون من محبة النبيّ الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم. لا تغتروا بشبههم، ولا تلتفتوا إلى إنكارهم. واحتفلوا بالمولد الشريف، واقرءوا القرءان، واقرءوا ما حصل عند مولده وما ظهر من الآيات الباهرات، وامدحوه بحسن النية، وعظموا قدره، ولا تبالوا بمنكر أو جاحد. هذا وأسْتَغْفِرُ الله لي ولَكُمْ.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد. عبادَ الله اتقوا لله.

ثم إنَّ الصلاةَ والسلامَ على النبىِّ ﷺ من العبادات المرموقة المحبوبة. ولا بد من أدائها صحيحة:

  • فلنلفظ الحاءَ صحيحة فى اسم النبىِّ مُحَمَّد ﷺ.
  • ولنوَفِّقْ بين صلَّى وسلَّم، وبين صَلِّ وسلِّم.
  • ولنجتنب زيادةَ الياء إلى صلِّ فى اللهم صلِّ.
  • ولنتجنَّب لوكَها بألسنتنا، أو قولَهَا باختلاسٍ أو حذفٍ لبعض حروفها.
  • ولنجتنب كتابةَ ص أو صلعم أو SAWS وغيرها من البدع القبيحة المكروهة فيها.

اللهم صلِّ صلاة كاملة وسلِّم سلاما تامًّا على سيدنا محمد. اللهم أكرمنا بزيارته ومجاورته، وشفِّعه فينا، وأَوْرِدْنا حوضَه، وارزقنا شَربةً منه لا نظمأ بعدها أبدًا.

اللَّهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ.

الجمعة فلادلفيا ٤ ربيع الأول ١٤٤١ هـ - ١ ت٢ ٢٠١٩ر


Loading...

Share this post

Submit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

Site Disclaimers

Listen to the Qur'an

Click

كيف يدخل غير المسلم في الإسلام

يَدخل غيرُ المسلم في الإسلام بالإيمان بمعنى الشهادتين وقولِهِما سامعًا نفسَه بأيّ لغةٍ يُحسنها.

وإن أراد قولَهما بالعربية فهما:

أَشْهَدُ أَنْ لا إلَـهَ إلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله

وَهَذا هو التسجيل الصوتي للشهادتين اضغط