Monday, 21 September 2020
A+ R A-

هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلىَ اللهُ عَليهِ وَسَلَم - المُـعَـامَـلاتُ

هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلىَ اللهُ عَليهِ وَسَلَم (سلسلة رقم 12)

المُـعَـامَـلاتُ

يجبُ على كلِّ مسلِمٍ مُكَلَّفٍ أنْ لا يدخُلَ فِى شىءٍ حتى يعلمَ ما أحلَّ اللهُ تعالى منهُ وما حرَّمَ لأن اللهَ سبحانَهُ تَعَبَّدَنَا أَى كَلَّفَنَا بأشياءَ فلا بدَّ من مُراعاةِ ما تَعَبَّدَنَا.

الشرح: أنه على العبدِ أن يُطيعَ خالقَهُ سبحانَهُ بأداءِ ما أمر به واجتنابِ ما حرَّم، لأنَّ اللهَ سبحانه أهْلٌ لأَن يُطَاعَ. وسواءٌ فى هذا ما عَقِلْنَا الحكمةَ منه وما لم نَعْقِل، لأن بعضَ الأشياء التى تَعَبَّدَنَا اللهُ بهَا أى أَمَرَنَا بها أو نهانا عنها نعرف الحكمةَ منها وأشياءُ أخرى لا نعرِفُ الحكمة منها. وهذا ابتلاءٌ أى اختبار من اللهِ عزّ وجلّ للعباد حتى يظهرَ العبدُ المُسْرِعُ بالطاعة والعبدُ المُبْطِىءُ فى الطاعة أى حتى يَتَمَيـَّزَا. فيجبُ علينا أن نُسَلّـِمَ لخالِقِنَا فى كلِّ ما أمر به وما نهى عنه سواء عَقَلْنَا الحكمةَ من ذلك أم لم نعقِل.

وقَد أحلَّ اللهُ البيعَ وحرَّم الرِبا. وقد قَيَّدَ الشرعُ هذا البيعَ بآلةِ التعريفِ لأنه لا يَحلُّ كُلُّ بَيْعٍ إلا ما استوفَى الشروطَ والأركانَ، فلا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا.

الشرح: أن البيعَ فى اللُّغَةِ هو مقابلةُ شىءٍ بشىء كما قال الشاعر:

ما بعتُكُم مُهْجَتِى إلا بِوَصْلِكُمُ

ولا أُسَلِّمُهَا إلا يَدًا بيدِ

هذا فى اللغة، أما شرعاً فهو مقابلةُ عينٍ بمالٍ مخصوص بشروطٍ مخصوصة. لذلك لَمَّا ذَكَرَ ربنا عزّ وجلّ فى القرءانِ البيعَ الذى أحلَّهُ وعرَّفَهُ بأل العَهْدِيّةِ عَرَفْنَا أن المرادَ بالبيعِ فى هذه الآيةِ هو البيعُ المعهودُ فى الشرعِ بالحِل أى البيعُ الذى استوفَى الشروطَ والأركانَ وليس كُلَّ بَيْع، وذلك فى قولِهِ تعالى: {وأحَلَّ اللهُ البيعَ وحرَّم الربا}. ولصحةِ البيعِ شروطٌ منها:

الطهارةُ فى الثَمَنِ والمُثْمَنِ، وأن لا يكونَ المَبِيعُ مَعدُومَـاً كبناءٍ لم يُبْنَ بعد، إلا ما كان من قِبَلِ بيعِ السَّلَمِ بشروطِهِ المذكورة فى كتب الفقهاء.

فعلَى من أرادَ البيعَ والشراءَ أن يتعلمَ ذلك وإلا أكلَ الرّباَ شاءَ أم أَبَى. وقد قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "التاجرُ الصَّدُوقُ يُحْشَرُ يومَ القيامَةِ معَ النَبيينَ والصّـِدّيقِينَ والشهداءِ". وما ذاكَ إلا لأجلِ ما يلقَاهُ مِنْ مُجاهدةِ نفسِهِ وهواهُ وقهرِهَا على إجراءِ العُقُودِ على ما أمرَ اللهُ. وإلا فلا يَخْفَى ما أعدَّ اللهُ لمِنْ تَعَدَّى الحدودَ.

الشرح: أنه لَمَّا لم يكن كلُّ بيعٍ حلالاً وإنما البيعُ الحلال هو ما استوفى الشروطَ والأركان التى جعلَهَا الله تعالى فى الشرع كان لا بد لِمَن يريدُ تَعاطِىَ البيعِ والشراء أن يتعلمَ أحكام البيع والشراء حتى لا يقع فى ما حرَّم اللهُ تعالى، وإلا فإنه يقعُ فى المحرمات شاءَ أمْ أَبـَى عَرَفَ ذلك أو لَم يَعْرِفْ. وقد كان سيدُنا عُمَر لأهمية هذا الأمر يَمُرُّ فى السوقِ فيَمْتَحِنُ التُّجَار، فإنْ وَجَدَ واحداً منهم ليس عندَه معرفةٌ كافيةٌ بأحكامِ البيعِ والشراء أخرجه مِنَ السوقِ، وكان يقول: لا يَقْعُدْ فِى سوقِنَا مَنْ لَم يَتَفَقَّهْ اهـ. يعنى لا يقعدْ فى السوق ليبيعَ الناس ويشتري منهم. وأما الإنسان الذى تَعَلَّم تلك الأحكام وطَـبَّقَهَا فاتَّقَى الله عزّ وجلّ، أى اجتنب ما حرَّم الله من أنواع المعاملات، فاجتنب الخيانة، واجتنبَ الحَلِفَ الكاذِب، واجتنبَ التَّدليس فى البيع (التدليسُ مثلُ أن يشترِىَ بضاعةً بمِائة ثم يَهَبَها لإنسانٍ ثم يَشْـتَرِيها منه بألف ويسامِحُهُ هذا الثانى بالألف، فإذا جاء مُشْتَرٍ ليشتَرِىَ منه هذا الغَرَض يُفْهِمُهُ أنه اشتراه بألف وأنه يبيعه إياه بألف ومائة فيكون ربْحُه عشرات ما اشتراه به في الأصل ويورد ذلك بطريقة يوهمه بها أن هذا هو السعر الرائج لذلك الشىء فى السوق. هذا يقال له تدليس وهو حرام لأنه من الغشِّ، ومن استَحَلَّه فهو كافر). التاجرُ الصَّدُوقُ الذى يجتنبُ هذه المحرمات يحشر يومَ القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء، كما ثبتَ فى حديثِ الترمذى وغيرِهِ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم . وهذه بِشَارَة للتاجر الصدوق بأنه يومَ القيامةِ يكون من الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، أى يكون يوم القيامة من أهل النجاة. وأعلَمَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث أيضاً أن من لم يكن كذلك يستحقُ عذابَ الله.

ثم إنَّ بَقِيَةَ العقودِ منَ الإِجَارَةِ والقِراضِ والرَهْنِ والوكَالَةِ والوَدِيعَةِ والعَارِيـَّةِ والشَّرِكَةِ والمُسَاقَاةِ كذلك لا بدَّ مِنْ مُراعَاةِ شروطِهَا وأركَانِهَا.

الشرح: أن هذه المعاملاتِ المذكورةَ لا بدَّ أيضاً من مراعاةِ شروطِهَا وأركانِهَا. فمن أراد تعاطِيَها لا بدَّ أن يتعلم أحكامَها الشرعية. فمن هذه المعاملاتِ: الإجارةُ، وهى: تمليكُ منفعةٍ مُباحةٍ بعِوَض، أى ليس تمليك عَيْن بل منفعةٍ مباحةٍ ليست محرمةً مقابل عِوَض. فلا يصح استئجارُ ما لا منفعةَ معتبرة فيه. لذلك المُغَنّـِى والمغنّية لا يملكانِ ما يأخذانِ من المال على أنه أجرة.

ويكون الاستئجارُ بالمدةِ أو بالعملِ. مثال ذلك: إذا أراد شخصٌ أن يستأجِرَ إنساناً لحراثَةِ أرضِهِ، إما أن يُحَدِّدَ له المِساحة التى يريدُهُ أن يحرُثَهَا ويستأجِرَهُ مقابل أجرة معينة على أن يحرثَ كل هذه المساحة المعينة من غيرِ أن يحدد له المدة لفعلِ ذلك. وإما أن يستأجِرَهُ لحراثةِ الأرض بأجرة معينة مقابل كلِّ يومٍ يعمَلُ فيه، يقول له مثلاً: تعمَلُ عندى أربعةَ أيامٍ فى حراثة الأرض مقابل أجرة كذا لكل يوم من غير أن يحدِّدَ له مِساحة يشترط عليه أن يحرثَهَا فى الأيام الأربعة، إنما يحدد له الأجرة. فإن جَمَعَ عليه الشرطين بطلَ ذلك العقد، كأن يقول له استأجرتك على أن تحرُثَ لى هذا الحقل كلَّه فى ثلاثة أيام مقابل كذا من المال، فإن هذا باطل.

ومنها القِراضُ، وهو أن يُفَوّضَ لإنسانٍ أن يَعْمَلَ فى مالِهِ بالتجارةِ مقابل أن يكونَ لكل منهما حصة من الربح. مثلاً يقول له خذ هذا المال واتجرْ لى به والربح بيننا مناصفة. ولا بد لصحتِهِ من أن يكون مالُ القِرَاضِ نقداً يعنِى إما ذهباً أو فضة. فلو أعطاه عُمْلَةً ورقية أو نُحاسِيّة وقال له خذ هذا المال واتجرْ لِى به والربح بيننا مناصفة لَم يصح، وهذا مذهبُ إمامِنا الشافعىّ رضى الله عنه. وقال بعضُ السلفِ من الأئمةِ وهو عبدُ الرَّحمنِ ابنُ أَبِى لَيلَى: يجوز بغير النقد من العملات وغيرها أيضاً.

ومنها الرهن، وهو جَعْلُ عينٍ ذاتِ قيمة مالية وثيقةً بدَين أى مربوطةً بدَين بحيثُ يستوفَى منها الدين إذا تعذر أن يَفِيَهُ المستدينُ. فإذا رُهِنَ شىءٌ بدين لم يَجُزْ لصاحبه أن يبيعه ولا أن يهبه حتى يَسُدَّ الدين. ويجوز أن يستعمل المرهون فى حاجاته.

ومنها الوِكالة، وهى تفويض شخص لغيره أن يتصرف تصرفاً خاصاً فى أمر خاص. فلا يصح أن تكون الوكالة مطلقة، بل لا بد أن يكون فيها تقييد للمتصرف على وجه مخصوص، فلا يصح أن يقول له وكلتك بكل أمورى، ويصح أن يقول له وكلتك ببيع أموالى، لأن الوكالة فى الحال الأولى مطلقة وفى الحال الثانية هى على وجهٍ مخصوص.

ومنها الوديعة، وهى ما يودَعُ عند غير مالكه لحفظه كما هو. ويشترط فيها أن تكون محترمة يُنْتَفَعُ بها فلا يصح أن يستودعَ إنسانٌ إنساناً ءاخر ءالةَ لهوٍ محرمةً.

ومنها العاريّة، وهى أن يُبيحَ إنسان لإنسان ءاخر الانتفاعَ بشىء مع بقاءِ عين ذلك الشىء.

ومنها الشَّرِكة، وهى عقد يتضمن ثبوتَ حق لاثنين أو أكثر فى شىءٍ ما على وجهٍ مشَاعٍ. يعنى أن يكون لاثنين أو أكثر حق فى بيت أو دكان مثلاً من غير أن يكون للواحد منهما أو منهم جزء معين بل على وجه الشيوع. والشركة الصحيحة فى مذهب الإمام الشافعىّ يشترط أن تكون مبنية على خلط مالين أو أكثر. ولا بد أن يكون هذان المالان مِثْلِيَّيْنِ، يعنى يمكن ضبط كل منهما بالوزن أو بالكيل أو بالصفة أى يحصر بالكيل أو بالوزن وينضبط أيضاً بالصفة. فإن أردت أن تشارك شخصاً ءاخر فى بيت يأتى كل منكما بدنانير مثلاً ثم تَخْلطَان هذه الدنانير وتشتريان بها البيتَ فتكون حصة كل منكما فى البيت على حسب نسبة حصته فى الدنانير المخلوطة. هذه هى الشركة الصحيحة فى الشرع. أما الشركة المبنية على غير خلط مالين أو أموالٍ فهى شركة فاسدة وذلك مثل أن يقول لشخصٍ خذ هذه السيارة واستعملها فى نقل الناس مقابل أجرة على أن تُعْطِيَنِى نصفَ الربح فالسيارة مِنّى والعمل منك والربح بيننا مناصفة، فهذه شركة باطلة.

ومنها المساقاة، وهى أن يعاملَ مالكُ الشجرِ عاملاً على أن يتعهد هذا العامل الشجر بالسقى والجداد والتنقيةِ ونحوِ ذلك مقابل أن يأخذ هذا العامل جزءاً من الثمرِ. ولا تصح إلا فى شجر النخل والعنب ولا تصح فى غيرهما من الأشجار أى فى مذهب الإمام الشافعى. وأما المخابرة فتعنى أن تكون الأرض من المالك والبذر والعمل من العامل ويكون الثمر مناصفة، فعلى قولٍ تصح وعلى قولٍ لا تصح.

وعقد النكاح يحتاج إلى مزيد احتياط وتثبت حذراً مما يترتب على فقد ذلك.

الشرح: أن معرفة أحكام النكاح أكثرُ أهمية من معرفة كثير من الأحكام الأخرى، لأن من جهل أحكام النكاح قد يظن أنَّ ما ليس نكاحاً نكاحٌ فيتفرعُ من ذلك مفاسد أخرى. لذلك النكاح جدير بمزيد تثبت واحتياط لأن حفظ النسب-أى أن يُحفظ النسب من الزنا-من القواعد الخمس التى اتفقت عليها كل شرائع الأنبياء. وهى حفظ النفس والمال وحفظ العقل وحفظ النسب وحفظ العِرْضِ. والعِرْضُ هو محل المدح والذم من الإنسان.

وللنكاح شروط وأركان حتى يصح. فلا يصح النكاح إلا بولىٍ وشاهدين وخاطب وصيغة. هذه هى أركان النكاح. فلا يصح أن تُزَوِّجَ امرأةٌ نفسَها بغير ولى عند الإمام الشافعى، ولا بد فيه من صيغة كزوجتك بنتى هذه فيقول الخاطب قبلت زواجها والشاهدان حاضران فى المجلس . ويشترط أن لا يكون هذا النكاح مؤقتاً لمدة معينة فلو قال الولى للخاطب زوَّجْتُك بنتى لسنةٍ فالعقد فاسد. أما لو نوى الخاطب أن يمكث معها سنة ثم يُطَلّـِقَها ولم يُدْخَلْ ذلك فى صُلْبِ العقد فإنه يصح. ولا بد فى العقد أيضاً من المهر سواءٌ ذُكِرَ فى العقد أو لم يُذْكَرْ فإن ذُكِرَ ثبت لها المهر المذكور، وإن لم يُذْكَرْ ثبت لها بعد الدخول مهر مثلها أى يُنْظَرُ إلى قريباتها من نساء عصباتها ماذا يأخذن مهراً فى العادة فَيُعْطَى لها مثلُهُ.

ومن المهم أيضاً معرفة أحكام الطلاق لأن كثيراً من الناس يطلقون زوجاتهم ولا يعلمون أن هذا طلاقٌ فيعاشرونهن فى الحرام بعد ذلك. والطلاق نوعان صريح وكناية، فالصريح ما لا يُنظر فيه إلى النيةِ ليُحكم أنه طلاق كطَلَّقْتُكِ وسَرَّحتُكِ وما شابه من الألفاظ الصريحة. وكذا لو قال نعم فى جواب من قال له طلَّقتَ زوجتك؟ أى إن قال "نعم" طَلُقَتْ إِن كان لم يُرِدِ الإخبار عن الماضى. وأما الكناية فهو ما لا يكون طلاقاً إلا بنية أى أنّ لفظه يحتمل معنى الطلاق ومعنى ءاخر قريباً. هنا يُنْظَرُ إلى النية فلا يكون هذا طلاقاً إلا إذا كانت نية القائل طلاقاً. مثال ذلك إذا قال الرجل لزوجته اعتَدِّى، أو قال لها تستَّرِى، أو لا حاجة لى فيك، أو أنت وشأنك، أو تخاصما فقال سلام عليك، ففى هذه الأحوال إذا كانت نية الإنسان الطلاق وقع الطلاق. أمّا من أتى باللفظ الصريح فيعدّ هذا منه طلاقا من غير استخبار عن نيته. فإن طَلَّقَ زوجته مرة أو مرتين فله أن يَرُدَّها فى العدة من غير عقدٍ جديد. أما إن مضت العدة وأراد أن يُرجعها فلا بد من عقدٍ جديد. فإن طلقها ثلاثاً لم تَحِلَّ له حتى تُمْضِىَ العدةَ ثم يتزوجَها ءاخرُ زواجاً صحيحاً، ثم يدخلَ بها، ثم يفارقَها أو يموتَ عنها، ثم تُمْضِىَ العدةَ منه، ثم إن شاء يعقد عليها الأول من جديد إن قبلت. ويقع الطلاق الثلاث فى مجلسٍ واحد أو مجالسَ متعددةٍ بلفظٍ واحدٍ أو بألفاظ متعددة.

وقد أشار القرءان الكريم إلى ذلك بقوله تعالى { يا أيها الذين ءامنوا قوا أنفُسَكم وأهليكم ناراً وَقودُها الناسُ والحجارةُ}. قال عطاءٌ رضى الله عنه: أن تتعلم كيف تصلى وتصوم، وتتعلم كيف تبيع وتشترى، وتتعلم كيف تطلق وكيف تنكح.

الشرح: أن هذه الآية تعنى أن من أهمل أن يعلّـِم نفسه وأهلَه الضرورىَّ من علم الدين فإنه أهلك نفسه وأهلك أهله أى لم يحفظ نفسه ولا حفِظ أهله من نار جهنم. سيدنا علىٌّ رضى الله عنه فسّر هذه الآية فقال: علّـِموا أنفسَكم وأهليكم الخير. رواه الحاكم. فهذا هو طريق الوقاية من النار. ومثل هذا قال عطاء رضى الله عنه وهو عطاء بن أبى رباح، كان أبوه عبداً مملوكاً إما نوبياً وإما حبشياً ثم صار ولده عطاءٌ من سادات التابعين، أخذ العلمَ من عبد الله بن مسعود وابن عباس رضى الله عنهم وغيرِهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو شيخ أبى حنيفة الذى تخرَّج به.

الـرّبَـا

فصل

يَحْرُمُ الرّبَا فعلُهُ وأكلُهُ وأخذُهُ وشَهادَتُهُ وهو: بيعُ أحدِ النقدينِ بالآخرِ نَسِيئَةً. والنقدانِ هما الذهبُ والفضةُ مضروبَيْنِ سِكَةً أَمْ لاَ والحُلِىُّ والتِبِرُ. أو بغيرِ تقابُضٍ أى افتراقِ المتبايعَينِ قبلَ التقابُضِ. أو بجنْسِهِ كذلكَ أى الذهبِ بالذهبِ أو الفضةِ بالفضّةِ نسيئَةً أو بغير تقابضٍ. أو متفاضلاً أى بيعُ الذهبِ بالذهبِ أو الفضّةِ بالفضةِ معَ زيادةٍ فى أحدِ الجانبينِ على الآخَرِ بالوزنِ. والمطعوماتُ بعضُها ببعضٍ كذلك، أى لا يَحْلُ بيعُهَا مع اختلافِ الجنسِ كالقمحِ مع الشعيرِ إلاَّ بشرطينِ: انتفاءِ الأجلِ، وانتفاءِ الافتراقِ قبلَ التقابضِ. ومع اتحادِ الجنسِ كالبُرِّ بالبُرِّ يُشْتَرَطُ هذانِ الشرطانِ معَ التماثُلِ. فلا يَحِلُّ بَيعُ شعيرٍ بشعيرٍ إلا مِثلاً بمثلٍ كَيلاً مع الحلولِ والتقابضِ قبلَ الافتراقِ.

الشرح: أنّ هذا الفصلَ معقودٌ لبيان أنواعٍ محرمةٍ من البيوعِ والمعاملات. بَدَأَهُ بذكرِ الرّبا. وأكثرُ أنواعِهِ شُيُوعاً هو رِبَا القَرض. ويَجْمَعُ مسائِلَهُ الحديثُ الذى رواه البيهقىُّ: "كُلُّ قَرْضٍ جَرّ منفعةً فهو ربا"، يعنِى أنّ كُلَّ قرضٍ كان فيه شرطُ جَرّ المنفعة للمُقرض وَحْدَهُ أو له وللمقترض فهو ربا. فإذا أقرضَ الشخصُ إنساناً ءاخرَ مالاً إلى مدةٍ معلومة على أنّه إذا تأخرَ فى ردِّ المال عن تلك المدة يرُدُّهُ له مع زيادة فهذا هو رِبَا القَرْضِ. وكذلك لو أقرَضَهُ مبلغاً من المال على أنه يرُدُّهُ له وقتَ كذا معَ زيادة. وكذلك لو أقرضَهُ مبلغاً من المال على أن ينتَفِعَ بِبَـيْـتِهِ مجاناً إلى أن يرُدَّ له المال، فإن هذا ربا أيضاً، ولو لَم يُشْتَرَط فيه زيادةٌ لأنّ فيه شرطَ جَرِّ منفعةٍ إليه. وأما باقِى مسائلِ الرّبا فيُبَـّيِنُهَا حديثُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الذى رواه مسلمٌ وغيرُه: "الذهبُ بالذهبِ والفضةُ بالفضةِ والبُرُّ بالبرِ والشعيرُ بالشعيرِ والمِلْحُ بالمِلْحِ والتمرُ بالتمرِ رِبا إلا مِثلاً بمثل يداً بيد سواءً بسواء. فإذا اختَلَفَت هذه الأصنافُ فَبِيعُوا كيفَ شِئْـتُم إذا كان يداً بيدٍ". معنى ذلك أنّ الإنسانَ إذا أراد أن يبيعَ ذَهَباً مقابِلَ ذهب أو فضةً مقابل فضة فلا بدّ أن يكونَ القَدْرُ الصافِى من النقد متساوياً من الجانبين. ولو كان أحدُهُمَا مشغولاً والآخرُ غيرَ مشغول فلا بدّ فيهما من التساوِى. ولا بد أيضاً أن يَتِمّ التقابضُ فِى المجلِسِ، من غير أن يكونَ العقدُ مُتَضَمِناً لتأجيلِ التسلِيمِ ولو لمدةٍ قَصِيَرة. فلو قال شخصٌ لآخر: بعتُكَ هذا الرِطل من الذهب بذاك الرِطل الذى معك على أن أُسَلّـِمَكَ ما معِى بعدَ نصفِ ساعة فالعقدُ فاسد وهو رِبا. وكذا لو لم يشترط التأجيل بل قال له: بعتُكَ هذا الرِطل الذى معى بهذا الرطل الذى معك لكن افترقا من المجلس قبل أن يتقابضا، أو واحد منهما قبض والثانى لم يقبض، فإنّ هذا أيضا ربا. وكذلك لو قال له: بعتك هذا الرطل من الذهب غير المغشوش برطلٍ ونصف من الذهب المغشوش مما معك فهو ربا إن لم يُعْلَمْ تساوِى الصافِى من الجانبين. فالمثالُ الأخيرُ من الربا وهو بيعُ الذهبِ بالذهبِ مُتفاضلاً أى مع الزيادة فى أحد الجانبين يقال له: ربا الفَضل أى ربا الزيادة. والمثالُ الثانِى الذِى فيه الافتراقُ من غيرِ تقابضٍ يقال له: ربا اليد لأنه لم يتمَّ التقابضُ يداً بيد. والمثالُ الثالثُ الذى فيه اشتراطُ التأجيلِ يقال له: ربا النَّسَاء (والنَّساءُ هو التأجيل). ومثل بيعِ الذهب بالذهب والفضة بالفضة فى الحكم بيعُ المطعومِ بجنسه أى بيعُ القمحِ بالقمحِ أو الشعير بالشعير أو الذُّرَة بالذرة أو العدس بالعدس وهكذا. أما لو باعَ ذهباً بفضة فلا يُشترطُ التماثُلُ فى الجانبين لأن الجنسين مختلفان. لكن يُشترَطُ أن يتمَّ التقابُضُ فى المجلسِ من غيرِ اشتراطِ التأجيلِ. ومثل ذلك بيعُ أحدِ المطعوماتِ بجنسٍ ءاخر من المطعوماتِ. أما لو باعَ مطعوماً بذهب أو فضة كشعيرٍ بذهبٍ أو فضةٍ فهُنا لا يُشترَطُ التماثل ولا يشترط التقابُضُ فى المجلس بل يجوزُ أيضاً اشتراطُ التأجيل. فيجوز بيعُ مِائَةِ رِطلٍ من القمحِ بدينارين مؤجلَين إلى شهرٍ مثلاً. وما كان يُوزَنُ فى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالعبرةُ للتساوِى فيه الوزنُ كالذهبِ والفضّةِ. وما كان يُكَالُ فى زمنِ الرسولِ عليه الصلاة والسلام فالعبرَةُ فيه بالكيل كالقمح والشعير ونحوِهِمَا.

ويَحْرُمُ بيعُ ما لَم يَقْبِضْهُ.

الشرح: أن مِنْ أنواعِ البيوعِ المحرمةِ بيعَ شىءٍ قبل أن يَقْبِضَهُ الشخْصُ، وذلك شاملٌ للطعامِ وغيرِهِ. ويحصُلُ القَبْضُ بتمكِينِ المُشْتَرِى من العَقَارِ، أو بتفريغِ البيتِ له وتسلِيمِهِ مفتاحه، أو بنقلِهِ فى الشىء الذى يُنْقَل، أو بأخذِهِ باليدِ فى نحوِ كتابٍ وثوبٍ وما شابَهَهُمَا.

واللحمِ بالحيوَانِ.

الشرح: أنه يحرمُ بيعُ اللحمِ بالحيوان وذلك لأن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعِ اللحمِ بالحيوانِ، رواه البيهقىّ و غيره. وسواءٌ كان اللحمُ من جِنْسِ هذا الحيوان أم مُخْتَلِفًا فهو حرام.

والدَّينِ بالدَّينِ، كأن يَبِيعَ دَيْنًا له علَى زيدٍ لِعَمْرٍو بثمنٍ مُؤَجَّلٍ إلى شَهْرٍ مَثلاً.

الشرح: أن بيعَ الدَّين بالدَّين من البيوع المحرمة، وله صُوَرٌ مُتَعَدّدَة. من ذلكَ أن يكونَ لزيدٍ دينٌ فى ذِمَّةِ عمرو، فيقول زيد لإنسان ثالث بعتُكَ دَينِى الذى لِى على عمرٍو بكذا من المال تُعْطِينـِى إياه بعد يوم أو بعدَ يومين، فهذا حرام نَهَى عنه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وقال أحمد "إجماع أنَّه لا يجوزُ بيعُ الدّينِ بالدّينِ."

وبيعُ الفُضُولِىِّ، أَى بيعُ ما ليس له عليه مِلْكٌ ولا ولايةٌ.

الشرح: أن الفضولَّى هو الشخصُ الذى يبيعُ ما ليس مِلكاً له ولا له عليه ولايةٌ بالتصرُفِ، أى ليس له عليه ولاية بطريقٍ شرعِى. ومثلُ هذا البيعِ لا يَصح. أما مَنْ له ولاية على مال غيرِه كولِىٍّ على مالِ يتيم فإنه يجوزُ له أن يبيعَ من مالِ اليتيم لمصلَحَتِهِ أى لمصلحة اليتيم.

وما لَم يَرَهُ. ويُجُوزُ علَى قولٍ للشافِعَىِّ مَعَ الوصفِ.

الشرح: أنه إذا كانت العينُ التى يَجْرِى التعاقد عليها غيرَ مشاهدةٍ للبائعِ والمشترى أو لأحدِهِمَا، لا يَرَيـَانِهَا الآن ولا رَأَيَاهَا مَن قبل، كأن قال إنسانٌ لآخر: بعتُكَ ما فى هذا الكيس وهو مُغلَقٌ، والمشترِى لا يعرِفُ ماذا فيه، ما رءاهُ من قبل ولا هو يراه الآن، فالبيعُ فاسِد. وعلى قولٍ فى المذهبِ يجوزُ إذا وُصِفَ وصفاً يَخْرُجُ به عن الجهالَةِ. وجمهورُ الأَئِمّةِ يُجَوّزُونَهُ على أن يكونَ للمشتَرِى خِيَارُ الردّ لَمَّا يراه.

ولا يَصحُّ بيعُ غيرِ المُكَلَّفِ وعليهِ، أَى لا يصحُ بيعُ المجنونِ والصَبِىِّ. ويجوزُ بيعُ الصبىِّ المميّـِزِ فِى مذهبِ الإمامِ أحمدَ.

الشرح: أنَّ المجنونَ لا يصِحُّ أن يبيعَ مالَهُ مِنْ غيرِهِ ولا يصِحُ أن يشتَرِى. وكذلك الصَبِىُّ الذِى لم يَبْلُغْ بعدُ ولو كان مُمَـيّـِزاً، إلا أنه يجوزُ فى مذهب الإمام أحمد للصَبِىِّ المميّزِ أن يشتَرِىَ بإذْنِ وَلِيّهِ.

أو لا قدرةَ عَلَى تَسْلِيمِهِ.

الشرح: أنَّ من البيعِ المحرَّمِ أن يبيعَ ما لا يقدِرُ على تسلِيمِهِ للمشتَرِى. لكن إن كان المشترى قادراً على أن يَتَسَلَّمَهُ من غيرِ كَبيرِ مؤْنةٍ صَحَّ البيع. مثال ذلك إنسان عنده بيت فَغُصِبَ وهو لا يقدِرُ على إخراجِ الغاصِبِ منه فبَاعَهُ إلى مَن يَقْدِرُ على ذلك هنا صَحَّ البيعُ. ويَدْخُلُ تحتَ هذا الباب، أى ما لا قدرة على تسليمه، بيعُ ما فِى بُطُونِ البهائِمِ على انفرَادِهِ، وبيعُ اللَّبَن وهو ما زالَ فى ضَرْعِ الحيوانِ، وبيعُ السمك وهو فى البحر، وبَيْعُ الطيرِ فى السماء، والبَعيرِ النَادّ، وما شابَهَ ذلك.

ومَا لا مَنْفَعَةَ فِيهِ.

الشرحُ: أنَّه لا يجوزُ شِراءُ ما لا منفعةَ فيه، أى ما ليس فيه منفعةٌ حسية أو شرعية. مثال ذلك الخُبْزُ المحتَرِق لا يصحُ بيعُهُ للأكلِ، لأنه ليس فيه منفعَةٌ حَسِيّة، ومثالٌ ءاخرُ بيعُ الصُّلبانِ فإنَّه لا يصح، لأنه لا منفعةَ شرعا فيها ولو كان حِسّاً فيها منفعة. ومثلُهَا ءالاتُ اللّهو المحرمة، والحشرات الصغيرة، كالنملةِ وما شابهها. وإن كان أصحابُ الخصائص يذكرون لها منافع، إلا ما كان له منفعَةٌ مُعتَبَرَةٌ فى الشرع، كالعَلَقِ لامتصَاصِ الدم.

ولا يَصِحُّ عندَ بَعْضٍ بلا صِيغَةٍ، ويكفِى التراضِى عندَ ءاخَرِينَ.

الشرح: أن الإمامَ الشافِعِىَّ رَضِى الله عنه نَصّ علَى أنه شَرْطٌ لصحَةِ البيع الصيغةُ من الجانبينِ، كأن يقولَ المشتَرِى للبائِعِ: اشتريتُ منك هذا بكذا فيقول له البائع: بعتُكَ أو قبِلْتُ. لكن اختار بعضُ أصحابِ الشافعىِّ رضى الله عنه صِحَّةَ البيعِ بالمعاطاةِ من غيرِ لفظٍ أى بِكُلِّ ما يُفْهَمُ منه البيعُ ولو كان من غيرِ لفْظٍ.

وبيعُ مَا لا يَدْخُلُ تَحْتَ المِلْكِ كَالحُرِّ والأَرْضِ المَوَاتِ.

الشرح: أنه يحرم بيع ما ليس مملوكاً، فلا يصحُ بيعُ الإنسانِ الحُرِّ، ولا يصحُّ بيعُ البحرِ لأنه لا يدخل تحت المِلكِ، ولا بيعُ الأرضِ المَوَاتِ قبلَ إحيائِهَا أى قبل أن يتملكها بالطريق الشرعىّ.

وبيعُ المَجْهُولِ.

الشرح: أن من شروطِ صحة البيعِ أن لا يكون المَبِيعُ مجهولاً، وأن لا يكونَ الثَمَنُ مجهولاً. مثالُ البيعِ المجهول الذى لا يصح أن يقول له: بعتُك إحدى سيارَتَىَّ هاتينِ من غيرِ تحديدِ واحدة منهما

والنَّجِسِ كالدَّمِ.

الشرح: أن بيعَ النجَّسِ لا يَصِحُّ.

وكُلِّ مُسْكرٍ.

الشرح: أنَّ كُلَّ ما يُغَـيّرُ العقلَ مَعَ نَشْوَةٍ وطَرَب يحرم بيعه، سواء كان مصنوعاً من عِنَبٍ أو شعيرٍ أو عسلٍ أو تَمْرٍ أو غيرِ ذلك.

ومُحَرَّمٍ كالطُّنـْـبُورِ، وهوَ ءالةُ لَهْوٍ تُشْبِهُ العُودَ.

الشرح: أنَّ مِنَ البيوعِ المحرمةِ كلَّ ءَالةِ لَهْوٍ محرّمة، كالعُودِ والكُوبَة وهو الطبل الضيقُ الوَسط والنَّرْد، إلا أنَّه مع حُرْمَةِ بيعِ النَّرد يصحُ ذلك إذا كان يصلُحُ بيادِق للـّشِـطْرَنْجِ، فيكونُ عليه معصية بشرائِهِ لكنَّ البيعَ صحَّ.

وَيَحْرُمُ بيعُ الشىءِ الحلالِ الطاهرِ على مَنْ تَعْلَمُ أنَّه يُريدُ أن يَعْصِىَ به كالعِنَبِ لمن يُرِيدُهُ للخَمْرِ والسلاحِ لمن يَعتَدِى به على الناسِ.

الشرح: أن بيعَ الشىءِ الحلالِ الطاهر حرام إذا كان البائعُ يعلم أنَّ المشترِىَ يريدُ أن يستعمِلَهُ فى معصيةِ الله، لأن فى ذلك إعانةً على المعصية وربُّـنَا قال: {ولا تَعاوَنوا على الإثم والعُدوان}. فيحرُمُ بيعُ العنب لمن يريد أن يعصرَهُ خمراً، وبيعُ السلاحِ لمن يريدُ أن يعتَدِىَ به على الناس بغير حق، وبيعُ الخشب لمن يتّخِذُ منه ءالةَ لهوٍ مُحَرَّمَة. روى الطبرانى فى المعجم الأوسط عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَبَسَ العِنَبَ أَيام القِطَافِ حتى يَبِيعَهُ ممن يتّخِذُهُ خمراً فقد تَقَحَّمَ النارَ على بَصِيرة".

وَبَيْعُ الأشياءِ المُسْكِرَةِ.

الشرح: أن ذلك حرام سواءٌ كان للشربِ أو لغيرِ الشربِ من أمور الاستعمال، كالذى يشترى الإسبيرتو ليستَعْمِلَهُ وَقُودًا، فإن هذا البيعَ حرام ولو كان لا يريدُه للشُربِ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنَّ اللهَ ورسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخمرِ والمَيْتَةِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ والأصنامِ". قيل يا رسولَ اللهِ أرأيتَ شحومَ الميتَةِ تُطْلَى بها السفن ويَستصبِح بها الناسُ (يعنى إذا باعها الإنسان لأجل ذلك هل يجوز)؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " لا هو حرام " رواه البخارىُّ ومسلم. وهو شاهدٌ لحُرمَةِ بيعِ الإسبيرتو ونحوِه ولو لغير الشرب.

وَبيعُ المَعِيبِ بِلاَ إِظهارٍ لِعَيْبِهِ.

الشرح: أن الإنسان إذا أراد أن يبيعَ شيئاً فيه عيب وهو يعرف أن هذا العيبَ فيه يجبُ عليه أن يُخْبِرَ المُشْـتَرِىَ عن هذا العَيْب قبل أن يَبِيعَهُ، فإن كَتَمَ العيبَ فهو ءاثم وصَحَّ البيعُ، لكن المشتَرِى له خِيَارُ الرّد لَمَّا يَرَى العيب.

فائدةٌ:

لا تَصحُّ قِسمةُ تَرِكَةِ مَيّتٍ ولا بَيْعُ شىءٍ منهَا مَا لَمْ تُوَفَّ دُيونُهُ ووصاياهُ وتُخْرَج أُجرةُ حَجةٍ وعُمرَةٍ إِنْ كانَا عليه، إلاَّ أنْ يُبَاعَ شىءٌ لقضاءِ هذه الأشياءِ. فالتركَةُ كمرهونٍ بذلكَ، كَرَقِيقٍ جَنَى ولو بأخذِ دَانقٍ لا يصحُ بيعُهُ حتى يؤَدّىَ ما بِرَقَبَتِهِ أو يأذنَ الغَرِيمُ فِى بيعِهِ.

الشرح: أن الإنسانَ إذا مات يُنظر قبلَ أن تُقَسَّمَ تَرِكَتُهُ على الوَرَثَة يُنظَرُ هل كان عليه ديون أم لا. فإن كان عليه دُيون يُبْدَأُ بتوفِيَةِ الديون. فإن زادت التركة عن ديونِه يُنظَر هل ترك وصايا أم لا. فإن ترك وصايا وَجَبَ إنفاذُهَا، إلا ما كان لا يجبُ إنفاذُهُ شرعاً. ثم يُنظَر فإذا كان لم يَحُجَّ ولم يَعْتَمِر قبل موتِه مع كونِهِ كان قادراً على ذلك يُعْزَلُ من التركة أُجْرَةُ حَجَّةٍ وعمرة. ثم بعد ذلك يُقَسَّمُ ما بَقِىَ من التركة. لكن يجوز بيع شىء من التركة لقضاء الديون أو لأجرَةِ حجةٍ وعمرة أو نحو ذلك. فالتركةُ قبلَ إنفاذ هذه الأشياء تكون مثلَ الشىء المرهون، لا يتقاسَمُها الورثة ولا يبيعونها إلا بعد إنفاذ هذه الأشياء. ويكونُ أمرها شبيهاً بالعبد الذى سرقَ لإنسان دَانقًا وهو سُدُسُ درهم، فمع كونِ هذا المبلغِ صغيراً ليس لسيدِ العبد أن يبيَع العبد إلا إذا وفَّى للمسروق ما سرَقَهُ العبد أو يأذنَ الغريمُ فى بيعِهِ، فتكونُ التركة حالُها مثل حال هذا العبد، لا يتصرف فيها الورثة حتى يُنْفِذُوا هذه الأشياء.

وَيَحْرُمُ أَنْ يُفَتّـِرَ رَغْبَةَ المشتَرِى أو البائِعِ بعدَ استقرارِ الثَّمَنِ لِيَبِيعَ عليهِ أو لِيَشْتَرِيَهُ مِنْهُ.

الشرح: أنه إذا اتفق اثنانِ على إيقاع بيعٍ، واتفقا على الثمن، ثم قبل أن يُوقِعَا البيع عَرَفَ إنسانٌ ثالث بالأمر فقال للبائع: لا تبعْهُ، أنا أشترِى منك بأعْلَى، أو قال للمُشترِى: لا تشترِ من ذلك الإنسان أنا أبيعُك بأرخص، أو أبيعُك خيراً منه بمثلِ سعرِهِ، فهذا حرام لأن رسول الله نهى عن السَّوْمِ على سَوْمِ أخيه. والحديثُ رواه البخارىّ.

وبَعْدَ العَقْدِ فِى مُدَّةِ الخِيَارِ أَشَدُّ.

الشرح: أن العقدَ إذا تَمَّ بين البائع والمشترى، لكن اشْتَرَطَا مدةَ خِيَار لكلَيهِمَا أو لواحدٍ منهما، ثم جاء ثالث ليفتّـِر رغبة مَن له الخيار ليفسخ البيع فيبيعَه هو أو يشترىَ منه فهو ءاثم، لحديث البخارىِّ فى تحريم البيع على بيع أخيه أى إلا إن أذِنَ من يَلْحَقُهُ الضرر فلا إثم عند ذلك.

وأنْ يَشْتَرِىَ الطعامَ وقتَ الغلاءِ والحاجةِ ليحبسَهُ وَيَبِيعَهُ بأَغْلَى.

الشرح: أَنَّ هذا هو الاحتكار المحرم الذى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ احْتَكَرَ فَهُوَ خاطىء" أى ءاثم. ومعنى ذلك أن يشتَرِىَ الطعامَ فى وقتِ الغلاءِ والحاجةِ أى عندما يكونُ سعرُ الطعامِ عالياً والناسُ فى حاجةٍ إليه وذلك ليحبِسَهُ حتى يَبِيعَه بأغلى. هذا هو الاحتكارُ المُحَرَّم، وقال بعضُ الشافعيةِ: كلُّ ما تَعُمُّ حاجةُ الناسِ إليه هو مثلُ الطعام يحرم احتكاره، وقَصَرَ بعضهم تحريم الاحتكار على القوتِ.

وأَنْ يَزِيدَ فِى ثَمَنِ سِلْعَةٍ لِيَغُرَّ غَيْرَهُ.

الشرح: أن هذا هو النَّجشُ الذى نهى عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "ولا تَنَاجَشُوا"، والحديث متفق عليه -أى رواه البخارى ومسلم - ومعناه أن يزيدَ فى ثمنِ السّلعَة حتى يُوهِمَ المشترِىَ أنّ ثَمَنَهَا فى السوقِ أعلى وهو ليس كذلك. مثال ذلك أن يتفقَ معَ إنسان فيقولَ له كُلَّمَا رأيتَ إنساناً جاء يشترِى مِنّـِى البَضَاعة تبذُل أنت ثمناً أغلى فى البِضاعة حتى يظنَّ المشترِى أنها تساوى ذلك الثمن الأعلى (وهى لا تساوى). فهذا هو النَّجشُ المُحَرَّم. ومثلُه فى التحريم إذا مدح السلعة بالكذِبِ لِيُرَوِّجَهَا.

وأنْ يُفَرّقَ بينَ الجَارِيَةِ وَوَلَدِهَا قَبلَ التَّمييزِ.

الشرح: أن الإنسان إذا كان يملِك امرأةً أى أَمَةً وولدها، فلا يجوز له أن يفرّقَ بينهما بالبيع أو بالهِبَةِ، طالما أنَّ الطفلَ لم يبلُغْ سنَ التمييزِ بعد، لقول رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: "مَن فَرَّقَ بينَ جارِيَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللهُ بينَهُ وبينَ أَحِبَّائِهِ يومَ القيامة".

وأَنْ يَغُشَّ أو يَخُونَ فِى الكَيْلِ والوزنِ والذَرْع والعَدّ أو يَكْذِبَ.

الشرح: أن الغش حرام فى البيع، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "منْ غَشَّنَا فَلَيسَ مِنَّا" رواه مسلم. فالذى يخون فى الكيل أو الوزن أو الذرع -أى القياس بالأذرع- أو يخونُ فى العد كأن يوهم المشترى أنه يعطيه عشر بيضات وهى فى الحقيقة تسعة أو ثمانية فهو واقع فى الإثم. وقد قال تعالى: {ويل للمطففين} والويلُ هو الهلاكُ الشديد، والمطفّـِف هو الذى له مِكيَالان يَستوفِى بمكيال تام ويبيع بمكيال ناقص، أو له عياران للوزن يَستوفى بعيار تام ويبيع بعيار ناقص، فالله تعالى تَوَعَّدَ هؤلاء بالويل أى أنهم يستحقون بذلك عذاب النار. وهذا يدلُّ على أن هذا الفعلَ من كبائر الذنوب.

وأنْ يبيعَ القطنَ أو غيَرَه منَ البَضَائِعِ وَيُقْرِضَ المشتَرِىَ فَوقَهُ دَرَاهِمَ ويزيدَ فِى ثَمَنِ تلكَ البِضَاعةِ لأجلِ القَرْضِ. وأنْ يُقْرِضَ الحائِكَ أو غَيْرَهُ من الأُجَرَاءِ ويستخدِمَهُ بأقلَّ منْ أجرةِ المِثْلِ لأجلِ ذلك القرضِ، أَى إنْ شَرَطَ ذلك، ويسمُّونَ ذلكَ الرَّبْطَةَ. أو يُقْرِضَ الحَرَّاثِينَ إلى وقتِ الحَصَادِ ثم يَبِيعُونَ عليهِ طعامَهُمْ بأوضَعَ مِنَ السعرِ قليلاً، ويسمُّونَ ذلكَ المَقْضِىَّ.

الشرح: أن كلَّ هذه أمثلةٌ لقاعدةٍ سبق ذكرها فى الكلام عن ربا القرض، أى أنّ كل قرض كان فيه شرطُ جرِ المنفعة للمُقرِض أو للمُقرِض وللمقترِض فهو ربا.

وكَذَا جُمْلَةٌ مِنْ معاملاتِ أهلِ هذا الزمانِ، وأكثرُهَا خارجةٌ عن قانونِ الشرع.

الشرح: أن كثيراً جداً من معاملاتِ أهلِ هذا الزمن لا توافقُ شرعَ الله عزّ وجلّ. فمن أراد رِضَا اللهِ تعالى فعليه أن يَتَجَنَّبَهَا. ولا يستطيعُ أن يَتَجَنَّبَهَا إلا إذا تعلَّم ما يحتاج إلى تَعَلُّمِهُ من علمِ الدين مما يَتَعَلَّق بالمعاملات

فَعَلَى مريد رِضا اللهِ سبحانَهُ وَسَلاَمَةِ دِينِهِ وَدُنْياهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ مَا يَحِلُّ ومَا يَحْرُمُ مِنْ عَالِمٍ وَرِعٍ نَاصِحٍ شَفَيقٍ عَلَى دِينِهِ فإِنَّ طَلَبَ الحَلاَلِ فَرِيضَةٌ علَى كُلِّ مُسْلِمٍ.

الشرح: أن الإنسانَ لا بدَّ أن يتلقَى علمَ الدِّين الذى يُعرَفُ به الحلالُ والحرام من أهل المعرفة والثقة. فلا يجوز استفتاءُ العالِمِ الفاسِق، ولا يجوز استفتاءُ مَنْ لَيسَ له كَفَاءَةٌ فِى العلم. قال الإمامُ التابِعِىُّ الجليلُ محمّدُ بنُ سِيرِين رضى الله عنه: إنَّ هذا العلمَ دينٌ فانظروا عمَّن تأخذون دينَكم. رواه مسلم فى مقدمة الصحيح.

ومعنى قول : إنَ طلبَ الحلالِ فريضةٌ على كل مسلم أنه لا يجوزُ تناوُلُ رِزْقٍ من حرام. ليس معناه أنّه لا يجوز للإنسان أن يبقَى من غير عمل يحصّل منه معيشته على الإطلاق، لا.

لو أن الشخص ما كان غنياً ولم يكن عليه نفقة واجبة لغيرِهِ فلَمْ يَعْمَلْ ثِقَةً باللهِ عزّ وجلّ، من غيرِ أن يكون مُتَطَلّعَاً فى نفْسِه إلى ما فِى أيدِى الناس من الأموال ليحصل عليها بالغش والخداع ونحو ذلك، جازَ له ذلك ولا إثمَ عليه. روى الترمذىُّ أن رجلاً شكَا أخاهُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنه لا يَحْتَرِفُ مَعَهُ. قال له: أَخِى يَلْزَمُ المسجد ولا يعمل وأنا أعمل وأصرِفُ عليه. فقال له رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ". وَجْهُ الدليلِ فى هذا الحديث أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لم يَذُمَّ ذلك الإنسان الذى تَرَكَ العمل. والحديث صحيحٌ رواه الترمذىُّ.

يجبُ على المُوسِرِ نَفَقَةُ أُصُولِهِ المعْسِرينَ أى الآباءِ والأمهاتِ الفقراءِ وإن قَدَرُوا على الكسبِ.

الشرح: أنَّ مَن كان له أُصُولٌ معْسِرُون وكان هو قادراً على الإنفاقِ عليهم، يَجِبُ عليه أن يُنفِقَ عليهم حتى ولو قَدَرُوا على الكسب. يعنِى إذا كان والداه فقيرَينِ أو كان أجدادُه فقراء وليس لهم أولادٌ يستطيعون إعالَتَهُم، على وَلَدِ الوَلَد أن يَتَوَلَّى ذلك. يَعنِى أَنْ يُنْفِقَ عليهم بقَدْرِ الحاجة، من غيرِ تقديرٍ بِحَدٍّ مُعَـيّن، لأن مقدار الحاجة يتغير من شخصٍ إلى شخص. فلو كان لا يَمْلِكُ أملاكاً كافيةً لينفِقَ عليهم يجبُ عليه أن يعمل لأجل ذلك، وليس له أن يُلْجِىء والديه للعمل ولو كانا قادِرَين. الوالد أى الأَبُ والأُم حقُه على ولده عظيم، إلى حَدِّ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رِضَا اللهِ فِى رِضا الوالد وسخطُ اللهِ فى سَخَطِ الوالِد"، يعنى إذا أَسْخَطَهُ بِتَعَدٍّ. وَوَرَدَ فى حديثِ ابن حبان: "أَعْظَمُ النَّاسِ حَقًّا على الرجُلِ أُمُّه". ويُرْوَى عن بعض السلف أنه من برّهِ بأمه كان إذا طلبت منه باقَةَ بقول يشترِى حِملاً منها حتى يَنْتَقِىَ خيرَها فيعطِيها لأُمّـِهِ. ويروى عن ءاخر أنه حصل منه شىء أزعج والدَيهِ فناما وهما منـزعجَانِ منه فأمضَى الليلَ واقفاً بقربِ سريرِهِمَا حتى أفاقا ليُرضِيَهُمَا. ما طاوَعُهُ قلبُهُ أن يتركَ المكان ووالداهُ غيرُ راضيَين عنه، لأن برَّ الوالدين شىءٌ عظيمٌ.

من جملةِ حقِ الوالدِ على الولد أن ينفقَ عليه إذا كان الولد مستطيعاً والوالدُ فقيراً، فإن ترك والدَيه لِيَضِيعَا فهو ءاثمٌ إثـماً عظيماً.

وَنَفَقَةُ فُرُوعِهِ أى أولادِه وأولادِ أولادِهِ إذا أَعْسَرُوا وعَجَزُوا عن الكسب لصِغَرٍ أو زَمانةٍ أى مَرَضٍ مَانِعٍ مِنَ الكَسْبِ.

الشرح: أن نفقةَ الفروع ذُكوراً كانوا أو إناثاً إذا كانوا لم يَـبْلُغُوا بعدُ ولا مالَ لهم فرضٌ على الأصل أى فرضٌ على الوالد. وكذلك أولادُ أولادِه إذا لم يكن ءاباؤهم قادرين على كفايَتِهِم يجبُ أن يَكْفِيَهُم إذا أعسروا، أى إن لم يكونوا يستطيعون أن يعملوا بحيث يُحَصّلون كفايتَهُم إما لصِغَر وإما لزمانةٍ أى لمرضٍ.

والواجب الكِسوةُ والسُكْنَى اللائقةُ بهم والقوتُ والإِدَامُ اللائقُ بهم. ويجبُ فى الطعامِ أن يطعمَهُم بحيثُ يَصِلُونَ إلى الشّـِبَع وإن كان لا يجب أن يبالغ فى إشباعهم.

ويجبُ على الولدِ كذلك أن يُزَوّجَ أباهُ الفقيرَ المحتاجَ إلى الزِواج إن طلب ذلك

ويجبُ على الزوجِ نفقةُ الزوجة.

الشرح: أن الزوجةَ إن كانت مُمَكّـِنةً فَنَفَقَتُها واجبةٌ على الزوج، وأما الناشز فلا تجب لها نفقة. والنُّشُوزُ كأن لا تُطِيعَهُ فى الجماعِ بغيرِ عذرٍ أو أن تَخْرُجَ من بيتِهِ بغيرِ إذنه. فيجب للممكنة مَسْكَنٌ لائِقٌ، وكِسوَةٌ للصيف وكسوةٌ للشتاء، وما زاد على ذلك من الثياب فهو من الإحسان إليها.

ويجبُ لها ما تَنامُ عليه وما تَتَغَطَّى به، وءالةُ تنظيف، وما تَلْبَسُهُ فى رجلِها.

ويجبُ عليه لها مُدٌّ من غالب قوتِ البلد إن كان فقيراً، ومدٌ ونصف إن كان متوسطاً، ومُدان إن كان غنياً بفجرِ كُلِّ يَومٍ. وعليه أن يَخْبِزَ هذا المقدار، فإن اشترى مقداراً موازياً من الخُبْزِ يُجزِئ، وعليه من الطبيخ ما يأكله أمثاله.

ولها عليه خادمٌ أى مملوك إن كانت ممن يُخْدَمُ أى تخصّ بمملوك فى بيت أهلِهَا وكان يستطيع أن يُخْدِمَها، إلا إن أسقطت عنه ذلك. ومما ذكرناه من نفقة الزوجة على الزوج ما يختلف باختلاف الفصول والبلاد وأحوال الأشخاص. وأمّا أجرة القابلة فقال المالكيةُ هى على الزوج، أما الشافعية فلا نعلمُ لهم كلاماً فى هذه المسئلة.

ومَهْرُهَا، وعليه لها مُتْعَةٌ إن طَلَّقَهَا. والمتعةُ مالٌ يُعْطَى للمُطَلَّقَةِ بغيرِ سَبَبٍ مِنْهَا.

الشرح: أنَّ المهرَ حقُ الزوجةِ على الزوجِ، حتى لو طَلَّقَهَا قبلَ أن يُعْطِيَهَا مهرَهَا فالمهْرُ ما زالَ لها عليه. والمهرُ قد يكونُ مالاً وقد يكونُ مَنْفَعَةً مَقْصُودة. فَيَصحُّ أن يكونَ ذهباً أو فضةً أو عُملةً أو بيتاً أو سيارةً أو مَتاعاً. ويصحُّ أن يكونَ تَعليمَ سورة من القرءانِ أو تعليمَ علمٍ نافعٍ. فإذا تَمَّ العقدُ على مهرٍ معـيَّن ثبتَ هذ المهرُ فى ذِمّتِهِ. فإن لم يحصل ذلك أى إن لم يُعَيَّنِ المهرُ فى العقد وَجَبَ لها مهرُ المِثل هذا إن كان طلقها بعد الدخول فإن طلقها قبل الدخول فلها نصف المهر. فإن طلَّقَهَا الزوجُ من غيرِ سببٍ من قِبَلِهَا يجبُ عليه أيضاً أن يُعْطِيَهَا مُتْعَةً كقسم من أثاث البيت مثلاً وذلك لِجَـبْرِ خاطرِها.

وعلى مالِكِ العبيدِ والبهائِمِ نَفَقَتُهُم، وأَنْ لا يُكَلّـِفَهُم مِنَ العَمَلِ ما لا يُطِيقُونَهُ، ولا يَضْرِبَهُم بغَيرِ حَقٍّ.

الشرح: أن مَنْ كان يَمْلِكُ عبيداً أو يَملِكُ بهائم يجب عليه الإنفاقُ عليهم. ولو كان العبد كافراً فليس له أن يُكَلّـِفَ عبدَه ما لا يُطِيق. حتى البهائم ليس له أن يُكَـلّـِفَهُم مِنَ العمل ما لا يطيقون، مثل أن يُحَمّـِل البهيمةَ أكثر مما تُطِيق فإن هذا حرام. ولا يجوز له أن يَضْرِبَ عبدَه بغيرِ حق. ولا يضربَ البهيمة إلا إذا أساءت، فالحمار مثلاً لا يُضْرَب إلا إذا أساء، حتى لو ضُرِبَ الحمار بحقّ لا يُضرَب فى وجهِهِ. وقد جاء فى الحديث أن من فَعَلَ ذلك أصابَتهُ اللّعنة. روى البخارىّ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال عن العبيد: "إخوانُكُم خَوَلُكُم. مَلَّكَكُم اللهُ إياهُم. فَمَنْ كانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَليُطْعِمْهُ مما يأكُل، ولـيُلبِسْهُ مما يَلْبَس، ولا يُكَلّـِفْهُ مِنَ العَمَلِ ما يَغلبُهُ. فإن كَلَّفتموهم فأَعِينُوهُم".

ويجبُ على الزوجَةِ طاعَتُهُ فِى نَفْسِهَا إِلاّ فِى ما لا يِحِلُّ، وأَنْ لا تَصُومَ النفلَ، ولا تَخْرُجَ من بيتِهِ إلا بإذنِهِ.

الشرح: أنه يجبُ على الزوجةِ أن تُطِيعَ زَوْجَهَا فيما هو حقٌ له عليها. وذلك كأن يَطْلُبَ الاستمتاعَ ببدنِهَا، فليس لها أن تمنَعَهُ ذلك بغيرِ عذرٍ. وإن طَلَبَ منها أن تَتَزَيَّنَ له فيجبُ عليها أن تفعل، لكن هو يَشْتَرِى لها ما تَسْتَعْمِلُهُ لذلك، وليس شراؤه عليها. ويجبُ عليها أن لا تصومَ النفل وهو حاضر -أى وهو غيرُ مسافر- إلا بإذنِهِ. أما الواجب كرمضان فتصومُهُ رَضِىَ أو لم يَرْضَ، لأنَّ اللهَ أحقُّ أنْ يُطَاعَ. ولا يجوز لها أن تُوطِئَ فراشَهُ من يكره، يعنى لا يجوز لها أن تأذن بدخولِ بيته لمن يكره ولو كان قريباً لها، حتى لو كان أباها أو أُمَّها. ولا يجوز لها أن تخرُجَ من بيتِهِ من غير إذنه إلا لضرورة، كأن خافت انهيارَ البيت عليها، أو إذا لم يأذن لها بالخروجِ لطلبِ علمِ الدين ولا هو عَلَّمَهَا أو جَلَبَ لها من يعلمُهَا أى الفرضَ العينِىَّ فيجوز لها عندئذ الخروجُ من بيته بغير إذنه لهذا الغرض. هذا فى حالِ كون البيت له فإن كان البيتُ لها فالحكمُ يَخْتَلِف، فلها أن تخرج لو لم يأذن. ويجبُ عليها أن تترُكَ ما يُعَكّـِرُ عليه الاستمتاع من الروائح الكريهة إن كانت تُضايقُهُ رائحةٌ كريهة فتعكر عليه الاستمتاع بها كرائحة الثؤم أو البصل أو السيكارة فيلزمها أن تتجنب ذلك.

Share this post

Submit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

Site Disclaimers

Listen to the Qur'an

Click

كيف يدخل غير المسلم في الإسلام

يَدخل غيرُ المسلم في الإسلام بالإيمان بمعنى الشهادتين وقولِهِما سامعًا نفسَه بأيّ لغةٍ يُحسنها.

وإن أراد قولَهما بالعربية فهما:

أَشْهَدُ أَنْ لا إلَـهَ إلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله

وَهَذا هو التسجيل الصوتي للشهادتين اضغط