Tuesday, 15 October 2019
A+ R A-

تَرْبيةُ الأوْلادِ

إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهديهِ ونشكرُه ونعوذُ باللهِ ِمنْ شرورِ أنفسِنا ومِن سيئاتِ أعمالِنا مَنْ يهْدِ اللهُ فلا مضلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلـهَ إلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ وأشهدُ أنَّ سيّدَنا محمَّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه مَنْ بعثَهُ اللهُ رحمةً للعالميَن هاديًا ومبشّرًا ونذيرًا بلَّغَ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ ونصحَ الأُمَّةَ فجزاهُ اللهُ عنَّا خيرَ ما جَزى نبيًّا مِنْ أنبيائهِ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ وعلى كلِ رسولٍ أرسله صلى اللهُ عليه صلاةً يقضِي بها حاجاتِنا ويفرِّجُ بِها كرباتِنا ويكفينا بِها شرَّ أعدائِنا وسلَّمَ عليهِ وعلى ءالِه سلامًا كثيرًا.

أما بعدُ يا عبادَ الله أوصِي نفسيَ وأوصيكم بتقوى اللهِ العليِّ العظيم. يقولُ ربُّنا تبارك وتعالى في مُحكمِ التنـزيل ﴿يا أيُّهَا الّذينَ ءَامَنُواْ قُواْ أَنْفُسَكُمْ وَ أَهلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ سورة التحريم .

إخوة الإيمان، إن تربيةَ الأولادِ من أهمِّ الأمورِ وأوكدِها، فالولدُ أمانةٌ عند والديهِ وقلبُه جوهرةٌ نفيسةٌ خاليةٌ من كل نقشٍ، وهو قابِلٌ لكلِّ ما نُقِشَ ومائلٌ إلى كلِّ ما يُمالُ بهِ إليه، فإِنْ عُوِّدَ الخيرَ وعُلِّمَه ونشأَ عليه سعِدَ في الدنيا والآخرةِ وشاركَه في ثوابِه أبواهُ وكلُّ معلِّم له ومؤدِّب، وإن عُوِّدَ الشرَّ وأُهملَ إهمالَ البهائِم شقِي وهلكَ وكانَ الوزرُ في رقبةِ القيِّمِ عليه.

فمعَ اشتدادِ حرِّ الصيفِ وقبلَ أن تسألَ نفسَك أينَ أنا من الترفيهِ والرفاهيةِ في هذا المكانِ أو ذاك سَلْ نفسَك أين أنا من تطبيقِ قولِ اللهِ تعالى: ﴿يا أيُّهَا الّذينَ ءَامَنُواْ قُواْ أَنْفُسَكُمْ وَ أَهلِيكُمْ نَارًا﴾. فاللهُ تعالى أمر عبادَه بأن يحفظوا أنفسَهم وأن يحفظوا أهليهم من نارِ جهنَّم، وهي أشدُّ نارٍ خلقَها اللهُ تعالى. اللهم أجِرنا منها يا ربَّ العالمين.

سل نفسَك أين أنا وأولادي من مجالسِ علمِ الدينِ عند الثقات، فباللهِ عليكم من منَّا لا يتغنَّى بصلاحِ الدينِ البطلِ صاحبِ الخصالِ الحميدة، أما سألتَ نفسَك يومًا كيف كان هذا الرجلُ العظيم؟ كان تقيًّا عالمًا وحافظًا لكتابِ التنبيهِ في الفقهِ الشافعيِّ وكانَ شديدَ الاهتمامِ بعقيدةِ المسلمينَ عقيدةِ الأنبياءِ والمرسلين العقيدةِ المحمديةِ الأشعريةِ، كان يأمُرُ المؤذنين أن يقرؤوا هذه العقيدةَ على المآذنِ قبل الفجرِ ليسمَعَ جيرانُ المسجد، ثم إنه قرَّرَ تدريسَ كتابِ العقيدةِ الأشعريةِ للصغارِ والكبارِ حتى الصغار الذين في الكتاتيبِ كانوا يُعلمونَ هذه الأبياتِ العظيمةَ:

وصانـعُ العـالـمِ لا يحويـهِ قطـرٌ تعالى الله عـن تشبيـهِ

قـد كـان موجودًا ولا مكانـا وحكمـُه الآنَ على مـا كانا

سبحـانَـه جـلَّ عـن المكـانِ وعـزَّ عـن تغيـُّرِ الزمـانِ

فقـد غـلا وزادَ فـي الغُلُـوِّ من خصـَّهُ بجهـةِ العُلُــوِّ

وحصـر الصانـعَ فـي السماءِ مبدعَهـا والعرشِ فوقَ المـاءِ

وأثبتــوا لذاتــه التحيـزا قد ضل ذو التشبيه فيما جوزا

اللهُ تعالى لا يحويهِ قُطرٌ، والقطرُ إخوة الإيمانِ معناهُ الجهةُ، فاللهُ تعالى ليس في جهةٍ، ويردُّ في هذه الأبياتِ على الذين حيَّزوا اللهَ في مكانٍ الذين يقولونَ بأنَّ اللهَ في جهةٍ ومكانٍ وبيَّنَ أنهم في ضلالِ.

فكما أن البنَّاءَ يبنِي أولاً الأساسَ المتينَ الصلبَ الجيدَ، كذلك أحبَبْنا أن نشيرَ إليكم إلى الاهتمامِ بأولادِكم وأن تبدأوا بالأساسِ بالأصلِ الذي يُقدَّمُ على الفرعِ ألا وهو علمُ العقيدةِ. كما اهتم بذلك السلطانُ البطلُ صلاحُ الدين الأيوبيُّ رضي الله عنه.

ويقولُ حبيبُنا محمدٌ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه: "كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسئولٌ عن رعيتِه". ففي هذا الحديثِ الشريفِ يبينُ لنا الحبيبُ المصطفى صلى الله عليه وسلم أهميةَ أن يتحمَّل كلُّ واحد منا المسئوليةَ الملقاةَ على عاتِقِه.

واسمعوا معي جيدًا كيف نشأَ سهلُ بنُ عبدِ اللهِ التُّستَريُّ الوليُّ العارفُ باللهِ. قال: كنتُ وأنا ابنُ ثلاثِ سنين أقومُ بالليلِ فأنظرُ إلى صلاةِ خالِي محمدِ بنِ سِوارٍ فقالَ لي يومًا ألا تذكرُ اللهَ الذي خلقَك، يخاطبُ ابنَ ثلاثِ سنين، ألا تذكرُ اللهَ الذي خلقك؟ قال: فقلتُ كيف أذكرُه؟ قال: قل بقلبِكَ عند تقلُّبِك في ثيابِك ثلاثَ مراتٍ من غيرِ أن تحرِّكَ به لسانَك: اللهُ معي (أي عالم بي) اللهُ ناظرٌ إليَّ، اللهُ شاهدٌ. فقلت ذلك ليالِي ثم أعلمتُه فقالَ: قل في كلِّ ليلةٍ سبعَ مراتٍ فقلتُ ثم أعلمتُه فقالَ: قل ذلك كلَّ ليلةٍ إحدى عشرة مرةً فقلتُ فوقَع في قلبِي حلاوتُه، فلما كان بعد سنةٍ قال لي خالي: احفَظ ما علَّمتُك ودُم عليه إلى أن تدخُلَ إلى القبرِ فإنهُ ينفعُك في الدنيا والآخرةِ. فلم أزل على ذلك سنينَ فوجدتُ لذلك حلاوةً في سِرِّي، ثم قال لي خالي يومًا: يا سهل، من كانَ اللهُ معه (أي عالمًا به) وناظرًا إليه أيعصِيه؟ إياك والمعصية. هذا وأستغفر لي ولكم.

الخطبة الثانية

إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهديهِ ونشكرُه ونعوذُ باللهِ ِمنْ شرورِ أنفسِنا ومِن سيئاتِ أعمالِنا مَنْ يهْدِ اللهُ فلا مضلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أن ل اإلـهَ إلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ وأشهدُ أنَّ سيّدَنا محمَّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه مَنْ بعثَهُ اللهُ رحمةً للعالميَن هاديًا ومبشّرًا ونذيرًا بلَّغَ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ ونصحَ الأُمَّةَ فجزاهُ اللهُ عنَّا خيرَ ما جَزى نبيًّا مِنْ أنبيائهِ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ وعلى كلِ رسولٍ أرسله صلى اللهُ عليه صلاةً يقضِي بها حاجاتِنا ويفرِّجُ بِها كرباتِنا ويكفينا بِها شرَّ أعدائِنا وسلَّمَ عليهِ وعلى ءالِه سلامًا كثيرًا.

أما بعدُ يا عبادَ الله أوصِي نفسيَ وأوصيكم بتقوى اللهِ العليِّ العظيم. يقولُ ربُّنا تبارك وتعالى في مُحكمِ التنـزيل ﴿إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الإِحْسَانِ وَ إِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَ يَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ سورة النحل/90. اللهُ تعالى يأمُرُ بالعدل، يأمرُ بالإحسان، يأمُرُ بإيتاءِ ذي القربَى ولا يأمرُ بالظُّلمِ ولا يأمُرُ بقطيعةِ الأرحامِ ولا يأمُرُ بفعل المعاصي والمنكراتِ بل ينهى عن الفحشاءِ والمنكرِ والبغي. فبعد هذا البيانِ الشرعيِّ يجبُ الحذرُ والتحذيرُ من عبارةٍ شاعت بينَ كثيرٍ من العوامِّ وهي قولُهم بالعامِّيةِ (كل شيء بأمرِه) أي بأمرِ اللهِ فهؤلاء لا يفهمونَ منها المعنى الفاسدَ بل يظنُّون من هذه العبارةِ أنَّ كلَّ شىءٍ بقضاءِ اللهِ وتقديرِه ولا يفهمونَ منها فسادَ معناها الذي هو أنَّ كلَّ شىءٍ اللهُ تعالى أمرَ به عباده، لأن هناك فَرقًا بين الأمرِ والمشيئةِ، اللهُ تعالى لا يأمُرُ بالمعاصي بالفحشاءِ بالمنكرِ بل يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاء ذي القُربى، أي اللهُ شاء المعاصي ولكنه لم يأمُرْ بها بل نهى عنها، وشاءَ المنكرَ ولكن لم يأمُرْ به بل نهى عنه، واللهُ شاءَ الفحشاءَ فهي حاصلةٌ بمشيئةِ الله ولكن ليس بمحبَّتِه ولا بأمرِه ولا برضاهُ بل نهى عنها، فاللهُ شاءَ وأمرَ بالعدلِ وشاءَ وأمرَ بالإحسانِ وشاءَ وأمرَ بإيتاءِ ذي القُربى، فمنَ القرءانِ الكريمِ نعلمُ أنه يوجدُ أمورٌ اللهُ شاءَها أي شاءَ حصولهَا ولكن لم يأمُرْنا بها، فلا نقولُ: "كلُّ شىءٍ بأمرِه". وإنما كلُّ شىءٍ يحصُل في هذا العالمِ بمشيئتِه، ولا يقالُ: "ما مِن حركةٍ وسكونٍ إلا بأمرِ اللهِ تكون"، إنما يقال "ما من حركةٍ وسكونٍ إلا بمشيئةِ اللهِ تكون، ويقال: "كلُّ شىءٍ يجري فهو بمشيئةِ الله". فيا حملةَ العقيدةِ الحقةِ اخرجوا بهذه الجواهرِ النفيسةِ الغاليةِ إلى الناسِ وانشُروا بينهم بضاعتَكم الراقيةَ ولا تخجلوا بها فمن دافَعَ عن إبليسَ على الفضائياتِ لم يخجَلْ ولم يستحِ، نسألُ اللهَ أن يحفظَنا من الفتنِ إنهُ على كل شىءٍ قدير.

واعلموا بأنَّ اللهَ أمرَكم بأمرٍ عظيمٍ أمرَكم بالصلاة على نبيِّه الكريم فقال ﴿إنّ اللهَ وملائِكَتَهُ يُصلّونَ على النّبيِ يا أيُّها الذينَ ءامَنُوا صلّوا عَلَيْهِ وَسلِّمُوا تَسْليماً﴾ سورة الأحزاب. اللهم صلِّ علَى محمَّد وعلَى ءالِ محمَّد كمَا صليتَ علَى إبراهيمَ وعلَى ءالِ إبراهيم إنكَ حميدٌ مجيدٌ اللهمَّ بارِك علَى محمَّد وعلَى ءالِ محمَّد كمَا باركتَ على إبراهيمَ وعلى ءال إبراهيمَ إنك حميدٌ مجيدٌ، اللهمَّ يا ربنَا إنا دعوناكَ فاستجِبْ لنا دعاءَنا فاغفِرِ اللهمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا وكفِّرْ عنا سيئاتِنا وتولَّنا برحمتِك يا أرحمَ الراحمين، واغفر اللهمَّ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الاحياءِ منهم والاموات إنك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعواتِ عبادَ اللهِ إن اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عن الفحشاءِ والمنكر والبغيِ يعِظُكم لعلكم تذَكَّرون اذكروا اللهَ العظيمَ يذكُرْكم واشكروهُ يزِدْكم واستغفِروهُ يغفِرْ لكم واتقوهُ يجعلْ لكم من أمرِكم مخرجًا. وأقم الصلاة.

Share this post

Submit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

Site Disclaimers

Listen to the Qur'an

Click

كيف يدخل غير المسلم في الإسلام

يَدخل غيرُ المسلم في الإسلام بالإيمان بمعنى الشهادتين وقولِهِما سامعًا نفسَه بأيّ لغةٍ يُحسنها.

وإن أراد قولَهما بالعربية فهما:

أَشْهَدُ أَنْ لا إلَـهَ إلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله

وَهَذا هو التسجيل الصوتي للشهادتين اضغط