Friday, 18 October 2019
A+ R A-

الحِكْمَة: حكمة أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام

الحمد‏ لله العزيز الحكيم* والصلاة والسلام على نبيّه محمدٍ‏ الكريم‏* وعلى ءاله وصحبه‏ ذَوِى القلب السليم* وبعد عباد الله اتقوا اللهَ‏. قال الله تعالى‏: ﴿ يَــأيُّـهَا‎ الذّينَ‎ ءَامـَنـُوا‎ اتـَّـقـُوا‎ اللهَ حَقَّ‎ تُقَاتِهِ‎ وَلاتمُوتُنَّ‎ إِلَّا‎ وَأنْتُمْ‎ مُسْلِمُونَ ﴾ (ءال عمران، ‏١٠٢).

فى الخطبة السابقة قلنا إن من أسماء الله تعالى الحَكِيمَ أى المتصفَ بالحكمة. قال الحليمىّ: الذى لا‏ يقول ولا‏ يفعل إلا الصواب‏. وقال أبو سليمان الخطابىّ‏: الحكيم هو المُحْكِم لخلق الأشياء‏ (صُرّف عن مُفعِل إلى فعيل‏). ومعنى الإحكام لخلق الأشياء إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها وحسن التقدير لها‏. واليوم نطَّلع على معانى الحكمة فى حق خلق الله.

قال الله تعالى: ﴿ يُؤتِى الْحِكْمَةَ‏ مَن يَشَاءُ‏ وَمَن‏ يُؤْتَ‏ الْحِكْمَةَ‏ فَقَدْ‏ أُوتِىَ‏ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا‏ يَذَّكَّرُ‏ إلاَّ‏ أُوْلُواْ‏ الأَلْبَاب ﴾ (البقرة ‏٢٦٩)

قوله تعالى‎:‏ ﴿ يُؤتِى الْحِكْمَةَ‏ مَن يَشَاءُ ﴾‏ أى يعطيها لمن‏ يشاء من عباده‏. واختلف العلماء فى الحكمة هنا، فقال مجاهد‎:‏ الإصابة فى القول والفعل‏. وقال السُّدّىّ:‏ هى النبوة‏. وقال ابن عباس‎:‏ هى المعرفة بالقرءان فقهِه ونَسْخِهِ ومُحكَمِه ومُتَشابِهِه وغريبِه ومقدَّمِه ومؤخَّرِه‏. وقال إبراهيم النخعىّ وزيد بن أسلم‏:‏ الحكمة الفهم فى القرءان‏. وقال ابن زيد‎:‏ الحكمة العقل فى الدين‏. وقال مالك بن أنس‎:‏ الحكمة المعرفةُ بدين الله والفقهُ فيه والاتّباعُ له‏. وروى عنه ابن القاسم أنه قال‎:‏ الحكمة التفكرُ فى أمر الله والاتّباع له‏. وقال أيضا‎:‏ الحكمةُ طاعةُ الله والفقهُ فى الدين والعملُ به‏. وقال الربيع بن أنس‎:‏ الحكمةُ الخَشية‏. وقال الحسن‎:‏ الحكمةُ الوَرَعُ‏.

والحكمة مصدر من الإحكام وهو الإتقان فى‏ قول أو فعل‏. فكل ما ذُكر فهو نوع من الحكمة التي‏ هى الجنس.‏ فكتاب الله حكمة،‏ وسنة نبيه حكمة،‏ وكل ما ذُكر من التفضيل فهو حكمة‏. وأصل الحكمة ما‏ يُمتنَع به من السَّفَه وهو كل فعل قبيح‏. فقيل للعلم حكمة،‏ لأنه‏ يُمتنَع به،‏ وبه‏ يُعلَم الامتناعُ من السفه‏. وكذا القرءان والعقل والفهم‏.

قال النووىّ فى شرح مسلم‏: الحكمة عبارة عن العلمِ المتصفِ بالأحكام، المشتملِ على المعرفة بالله تبارك وتعالى المصحوبِ بنفاذ البصيرة،‏ وتهذيبِ النفس،‏ وتحقيقِ الحق والعمل به،‏ والصدّ عن اتباع الهوَى والباطل.‏ والحكيمُ مَن له ذلك‏. وقال أبو بكر بن دريد‎:‏ كل كلمة وعظَتْكَ وزجرتْك أو دعتْكَ إلى مكرُمة أو نهتْك عن قبيح فهى حكمة.‏ ومنه قول النبىّ‏ : ‏”إنَّ من الشّـِعر حكمةً.‏“

قال تعالى: ﴿ وَمَن‏ يُؤْتَ‏ الْحِكْمَةَ‏ فَقَدْ‏ أُوتِىَ‏ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا‏ يَذَّكَّرُ‏ إلاَّ‏ أُوْلُواْ‏ الأَلْبَاب ﴾، وكرَّر ذكرَ الحكمة ولم‏ يُضْمِرْها [أى لم يقل: ومَن لم يُؤتَهَا] اعتناءً بها،‏ وتنبيهًا على شرفها وفضلِها‏. وقال بعض الحكماء‎:‏ من أُعطِىَ‏ العلمَ والقرءانَ‏ ينبغى أن‏ يعرفَ نفسَه،‏ ولا‏ يتواضعَ لأهل الدنيا لأجل دنياهم. فإنما أُعطِىَ‏ أفضلَ ما أُعطِىَ‏ أصحابُ الدنيا،‏ لأن اللهَ تعالى سمَّى الدنيا متاعًا قليلا فقال‎:‏ ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنيَا قَليلٌ‏ ﴾، وسمَّى العلمَ والقرءانَ‏ ﴿ خَيرًا كَثيرًا ﴾.

أقول قولىَ هذا وأستغفر اللهَ لى ولكم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد عباد الله اتقوا الله. ثم هذه أمثلة عن إنعام الله عز َّ وجلَّ على أنبيائه ورسله بالحكمة. قال سبحانه وتعالى:

  • فى حق لوط عليه السلام: ﴿ وَلُوطًا ءَاتَيْنَاهُ‏ حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ (الأنبياء ٧٤). والحكمُ النبوةُ،‏ والعلمُ المعرفةُ بأمر الدين وما‏ يقع به الحُكم بين الخصوم‏. وقيل‎:‏ "علمًا‏" فهمًا. والمعنى واحد.
  • فى حق يوسف عليه السلام: ﴿ ءَاتَيْنَاهُ‏ حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ (يوسف ٢٢) أى جعلناه المستولِـىَ‏ على الحكم،‏ فكان‏ يحكم فى سلطان الملك؛ أى‏ وءاتيناه علمًا بالحكم‏. وقال مجاهد‎:‏ العقل والفهم والنبوة‏. وقيل‎:‏ الحكم النبوة،‏ والعلم علم الدين؛ وقيل‎:‏ علم الرؤيا.
  • فى حق موسى عليه السلام: ﴿ءَاتَيْنَاهُ‏ حُكْمًا وَعِلْمًا) (القصص ١٤). والحكم‎:‏ الحكمة قبل النبوة. وقيل‎:‏ النبوة. وقال مجاهد‎:‏ الفقه أى فى الدين. وقال محمد بن إسحاق‎:‏ أى‏ العلم بما فى دينه ودين ءَابائه.
  • فى حق داود عليه السلام: ﴿ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَءَاتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالحكمةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ﴾ البقرة ٢٥١ أى ءاتاه الله مُلكَ طالوت، والنبوةَ أو الزبور، وعلمه ربه صَنعةَ الدروع أو منطقَ الطير.
  • فى حق داود وسليمان عليهما السلام: ﴿ وَدَاوُدَ‏ وَسُلَيْمَانَ‏ إذْ‏ يَحْكُمَانِ‏ فى الْحَرْثِ‏ إذْ‏ نَفَشَتْ‏ فِيهِ‏ غَنَمُ‏ الْقَوْمِ‏ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ‏ شَاهِدِينَ‏ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ‏ وَكُلًّا ءَاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ (الأنبياء ٧٨-٧٩) أى بوجوه الاجتهاد وطرق الحكم. قال الجمهور:‏ إنَّ حكمهما كان باجتهاد. قال الإمام النسفىّ: وقصته أن الغنمَ رعتِ الحَرْثَ وأفسدتْه بلا راع ليلا. فتحاكما إلى داود عليه السلام. فحكم بالغنم لأهل الحرث وقد استوت قيمة الغنم والنقصان من الحرث. فقال سليمان عليه السلام وكان ابنَ إحدى عشرة سنة: غيرُ هذا أرفق بالفريقين. فعَزَم عليه لَيَحكُمَنَّ. فقال: أرى أن تدفَعَ الغنمَ إلى أهل الحرث ينتفعون بألبان البهائم وأولادها وأصوافها، والحرثَ إلى ربّ الغنم حتى يُصلِحَ الحَرثَ ويعودَ كهيئته يوم أُفسِدَ. ثم يَتَرَادَّان. فقال: القضاءُ ما قضيتَ. وأمضى الحكمَ بذلك. وكان اجتهادًا منهما على حسب شريعتهما. وهذا قول الجمهور. وقال قوم:‏ كان داودُ وسليمانُ‏ عليهما السلام‏ نَبِيَّينِ‏ يقضيان بما‏ يوحَى إليهما.‏ فحكم داود بوحىٍ،‏ وحكَم سليمان بوحىٍ نَسَخ اللهُ به حكمَ داود.‏ وعلى هذا‏ ﴿ ففهَّمناها سليمان‏ ﴾ أى‏ بطريق الوحىِ الناسخ لما أوحِىَ إلى داود.‏ وأُمِرَ سليمانُ أن‏ يبلّـِغ‏َ ذلك داودَ. ولهذا قال:‏ ﴿ وَكُلًّا ءَاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾. هذا قول جماعة من العلماء ومنها ابن فُورَك‏.
  • مخاطِبًا رسولـَه محمدًا ﷺ: ﴿ ادْعُ‏ إلِى سَبِيلِ‏ رَبّـِـك بِالْحِكْمَةِ‏ وَالْمَوْعِظَةِ‏ الْحَسَنَةِ ﴾ (النحل ١٢٥) أىُ ادْعُ إلـى الإسلام بالقرءانِ، أو الفقهِ، أو النبوةِ وبمواعظِ القرءان، أو بالأدبِ الجميل الذى يعرفونه. وعن عَبْدِ‏ اللّهِ‏ بْنِ‏ مَسْعُودٍ‏ رَضِىَ اللّهُ عَنه قالَ‎:‏ قَالَ‏ رَسُولُ‏ اللّهِ‏ صلى الله عليه وسلم: ”لاَ‏ حَسَدَ‏ إلَّا فِى اثْنَتَيْنِ‎:‏ رَجُلٌ‏ ءَاتَاهُ‏ اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ‏ عَلَى هَلَكَتِهِ‏ فِى الْحَقّ‏، وَرَجُلٌ‏ ءاتَاهُ‏ اللهُ حِكْمَةً‏ فَهُوَ‏ يَقْضِى بِهَا وَيُعَلّمُهَا.“ رواه مسلم. قال النووىُّ: لا غِبطةَ محمودةٌ إلا فى هاتين الخصلتين وما فى معناهما. ”يَقْضِى بِهَا وَيُعَلّمُهَا“ معناه‏ يعمَل بها ويعلّـِمُها احتسابًا.‏ والحكمةُ كلُّ ما مَنَعَ من الجهل وزجَرَ عن القبيح‏.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات. اللهم ارزقنا الحكمة وحسنَ الختام.

خطبة الجمعة فيلادلفيا ٢ شوَّال ١٤٣٤ هـ * ٩ ءاب ٢٠١٣ ر

Share this post

Submit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

Site Disclaimers

Listen to the Qur'an

Click

كيف يدخل غير المسلم في الإسلام

يَدخل غيرُ المسلم في الإسلام بالإيمان بمعنى الشهادتين وقولِهِما سامعًا نفسَه بأيّ لغةٍ يُحسنها.

وإن أراد قولَهما بالعربية فهما:

أَشْهَدُ أَنْ لا إلَـهَ إلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله

وَهَذا هو التسجيل الصوتي للشهادتين اضغط